الاستعارةُ إن لم تقترن بما [1] يلائم شيئًا من المستعارِ منه والمستعارِ له [2] فمطلقةٌ [3] ، نحو: رأيتُ أسدًا [4] ، وإن اقترنتْ [5] بما يلائم المستعار منه فمرشحةٌ [6] نحو: رأيتُ أسدًا .. لهُ لِبَدٌ أظفارهُ لم تقلَّمِ [7] ، وإن اقترنتْ [8] بما يلائم المستعار لهُ فمجردةٌ، نحو: رأيتُ أسدًا شاكي السلاح. والترشيحُ أبلغُ [9] ؛ لاشتمالِهِ على تحقيقِ المبالغةِ في [2/ 3] التشبيهِ، والإطلاقُ أبلغ من التجريدِ. واعتبارُ الترشيحِ والتجريدِ إنما يكونُ بعد تمامِ الاستعارةِ (بالقرينةِ) [10] ؛ فلا تُعدُّ قرينةُ المُصَرَّحةِ تجريدًا، نحو: رأيتُ أسدًا يرمي، ولا قرينةُ المكنيَّةِ ترشيحًا.
الفريدةُ الخامِسةُ:
الترشيحُ يجوزُ أنْ يكونَ باقيًا على حقيقتِهِ تابعًا للاستعارةِ لا [11] يقصدُ بهِ إلَّا تقويتُها ويجوزُ أن يكونَ مُستعارًا من مُلائِمِ المُستعارِ منهُ لملائِمِ المُستعارِ لَهُ، ويحتملُ الوجهينِ قولُهُ (تعالى) [12] : (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ [جميعًا] [13] (آل عمران: من الآية103) حيثُ استعيرَ الحبلُ للعهدِ وذُكِرَ الاعتصامُ ترشيحًا لها [14] ، إمَّا باقيًا على معناهُ [15] أو مستعارًا [16] للوثوقِ بالعهدِ [17] .
الفريدةُ السادسةُ:
المجازُ المُركبُ [18] : وهو المركبُ المستعملُ في غيرِ [19] ما وُضِعَ لهُ [20] لعلاقةٍ [21] مع قرينةٍ كالمفردِ إن كانت علاقتهُ غيرُ المشابهةِ فلا يُسمَّى استعارةً وإلا فيُسمَّى [22] استعارةً [23] تمثيليةً نحو:
(( إنِّي أراكَ تقدِّمُ رِجْلًا وتؤخِرُ أُخرى ) ) [24] أي: [3/ 4] تتردَّدُ [25] في الإقدامِ والإحجامِ لا تدري أيُّهما أحْرى [26] .
العقد الثاني:
في تحقيقِ معنى [27] الاستعارةِ بالكنايةِ:
اتفقتْ كلمةُ القومِ (على أنَّه إذا شُبِّهَ أمْرٌ بآخرٍ في [28] غيرِ تصريحٍ بشيءٍ من أركانِ التشبيهِ سوى المُشبهِ، ودُلَّ عليهِ [29] بذكرِ ما يخصُّ المُشّبَّهَ بهِ كان هناكَ استعارة بالكناية [30] [31] ، لكن اضطربت أقوالهم، ونعرض [32] لها في ثلاث [33] فرائد مذيلة بفريدة أخرى لبيان أنَّه هل يجب أن يكون المشبه [34] في صورة [35] الاستعارة بالكناية مذكورا بلفظه الموضوع له أم [36] لا؟
الفريدةُ الأولى:
(1) في جامع العبارات 2/ 429 ك ربما، وهذا خطأ واضح صوابه ما أثبت وفي (م) : ملائم وهذا خطأ لنصب شيئًا بعدها.
(2) (له) سقط من (هـ) ، وهي ما لم تقترن بصفةٍ ولا تفريع، والمراد بالصفة: المعنوية التي هي معنى قائم بالغير لا النعت النحوي الذي هو أحد التوابع. ينظر: شرح مختصر المعاني 348، والفرق بين الصفة والتفريع: أن الملائم إذا كان من تتمة الكلام الذي فيه الاستعارة فهو صفة وإن كان كلامًا مستقلًا جئ بعد ذلك الكلام فهو تفريع سواءٌ كان بحرف التفريع أو لا. حاشية (9) على شرح مختصر المعاني 348 رُمِز لها بـ (عبد الحكيم) .
(3) سُمِّيت مطلقةً لكونها غير مقيدة بشيءٍ مما يلائم المستعار له والمستعار منه. من حواشي شرح مختصر المعاني 348.
(4) يبدو للوهلة الأولى خطأ المؤلف في مثاله هذا؛ إذ يصحُّ حَمْلُ عبارته على الحقيقة دون المجاز لانعدام القرينة الصارفة هنا، بيد أنَّ المتعمق في كلام البلاغيين يرى في هذا المثال من دقة النظر الشيء الكثير؛ فقد قصر السمرقندي الاستعارة على التجريد والترشيح لاشتراطه المغايرة بين الملائم والقرينة، والقرينة إمَّا مما يلائم المستعار له ما في المصرحة، أو مما يلائم المستعار منه كما في المكنية، ينظر: حاشية البيجوري على السمرقندية 39، واعترض الاسفراييني هذا القول قائلًا: إنَّ القرينة تعمُّ الحالية، والمقالية بخلاف التجريد والترشيح فإنهما لا يكونان إلا مقاليين فتكون المطلقة ما لا تقترن بذكر شيءٍ من الملائمات مع كون قرينتها حالية، ينظر: الرسالة الفارسية 137، وجامع العبارات 2/ 436. وهذا عين ما عليه مثال المؤلف هنا مما دلَّ على سعة اطلاع ودقة تمثيل.
(5) في (ع) و (م) و (ر) و (ز) و (هـ) وجامع العبارات 2/ 437، والمطبوع 366: قُرِنت.
(6) في (م) : فهي مرشحة.
(7) العبارة عجزُ بيتٍ لزهير بن أبي سلمى، صدره: لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذَّفٌ، ديوانه 23، وحسن التوسل 132، والإيضاح 1/ 261،282، والمطول 357، وحَسُنَ حذفُ المؤلف لصدرِ البيت هنا؛ لأنَّ ذكره مُفوِّتٌ لغرض الاستشهاد، إذ الاستعارة فيه تجريدية بعكس موضع الاستشهاد، فهذا البيت شاهدٌ لاجتماع التجريد والترشيح؛ لذلك كان البيت شاهدًا للقزويني على هذا، ينظر: الإيضاح 172، وسيذكر المؤلف عبارة (( شاكي السلاح ) )شاهدًا للتجريدية بعد قليل.
(8) في و (ز) و (هـ) وجامع العبارات 2/ 437، والمطبوع 366: قُرِنت، وفي (م) : فإن قُرِنت.
(9) أطلق الأبلغية هنا؛ ليدل على أن الترشيح أبلغ من الإطلاق والتجريد ومن جمع التجريد والترشيح. ينظر: شرح مختصر المعاني 349، والأطول 2/ 290.
(10) بالقرينة ساقطة من (ع) و (م) و (ز) و (هـ) والمطبوع 366.
(11) في (هـ) : فلا.
(12) ساقطة من (ع)
(13) من (م) و (ز) و (هـ) .
(14) لها ساقطة من (ع) و (م) و (ز) و (هـ) وجامع العبارات 2/ 463، والمطبوع 366.
(15) لأن الحبل استعارة للعهد بقرينة اللإضافة .. وعتصموا ترشيح لهذه الاستعارة؛ لأن الاعتصام حقيقةً: هو التمسك بالحبل، وهذا ملائمٌ للمستعار منه، فيجوز إبقاؤه على معناه الحقيقي، على ما هو الأصل في الترشيح. ينظر: الرسالة الفارسية 139.
(16) في (أ) ، وجامع العبارات 2/ 463: مستعارٌ، وفي (م) : استعار وهو خطأ.
(17) إذ يجوز أن يستعمل في ملائم المستعار له بطريقة المجاز المرسل، ويجوز استعماله في القدر المشترك بطريق الاستعارة ويجوز استعماله فيه بطريق المجاز المرسل، إذ يجوز نقله إما إلى مطلق الوثوق وهو القدر المشترك بين المستعار منه والمستعار له، أو إلى الوثوق بالعهد الذي هو ملائم المستعار له، إما بطريق الاستعارة التبعية، وإما بطريق المجاز المرسل .. ينظر: الرسالة الفارسية 138 - 139.
(18) المركب هنا ليس المراد منه المعنى المشهور للمركب، يعني: ما يدل جزؤه على جزء معناه، بل المراد منه اللفظ المستعار لصوره منتزعة من أمور متعددة من صورة كذلك لعلاقة المشابهة بين الصورتين، في صورة منتزعة من أمور متعددة. ينظر: الرسالة الفارسية 141.
(19) في (هـ) : خير، وهو خطأ صوابه ما أثبت.
(20) في (( ب ) )و (هـ) سقطت لفظة: له.
(21) في جامع العبارات 2/ 486: العلاقة / وهذا خطأ، صوابه ما أثبت.
(22) في (ع) و (ز) و (هـ) وجامع العبارات 2/ 522: سُمِّي، وفي و (م) المطبوع: يُسمَّى 366.
(23) ليست في (م)
(24) هذه الجملة من كلام الوليد بن يزيد - لما بويع - إلى مروان بن محمد وقد بلغه أنه متوقف في البيعة له. ينظر: الإيضاح 173، والمطول 380، ونهاية الأرب 7/ 49، والتعريفات 1/ 259، وقد وردت العبارة منسوبةً للوليد بهذه القصة في غير مصدر مثل: أدب الكاتب، والصناعتين، والعقد الفريد، وتحرير التحبير، ودلائل الإعجاز، وعيون الأخبار، وغرر الخصائص الواضحة للوطواط، وفوات الوفيات، ونهاية الأرب، وورد هذا القول في رسالةٍ لابن الفخار وزير الأذفونش وجهها إلى المنصور الموحدي، ينظر: وفيات الأعيان 7/ 6، والإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 1/ 186، والكامل 10/ 236، وسير أعلام النبلاء 21/ 318. وفي حسن التوسل أنَّ الرسالة موجهة إلى يعقوب بن عبد المؤمن، ينظر: حسن التوسل 76 - 77، ووفيات الأعيان، وقد وردت في حياة الحيوان في ترجمة يعقوب بن يوسف، وفي إعلام الناس بما وقع للبرامكة للإتليدي في رسالة ليعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن من إنشاء وزيره ابن النجار إجابة للأذفونش نصراني طليطلة 704 - 705. وقد وردت العبارة في كلامٍ للوكيع بن الدورقية مع الوليد بن هشام القحذمي، ينظر: البيان والتبيين 2/ 254، وبلا نسبة في أسرار البلاغة،، والتذكرة الحمدونية، والكشكول.
(25) في جامع العبارات 2/ 550: تردد.
(26) قال اليوسي في زهر الأكم في الأمثال والحكم 1759 - 1761: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى. يضرب عند التردد في الأمر. وأصله أنَّ الرجل مثلا إذا قام ليذهب إلى جهة ثم يبدو له ويتحير فتارة يريد الذهاب فيقدم وتارة لا يريد فيؤخر. وهذا ظاهر في المقصود لكن قولهم: يقدم رجلًا ويؤخر أخرى يحتمل باعتبار دلالة عبارته في أصلها أربعة أمور: إحداها أن يكون المعنى أنه يقف في مكانه ويحرك إحدى رجليه: فتارة يقدمها لأرادة الذهاب وتارة يؤخرها رجوعا عن الذهاب حتى توازي أختها مكا كانت أولا. وعلى هذا فلفظ الأخرى فيه تجوز بأن يجعل الشخص الواحد متعددا حالتيه ولفظ التأخير أيضًا لم يصح فيه إلاّ بالنسبة. الثاني أن يكون المعنى أنه يقدم رجلا لأرادة الذهاب ثم يبدو له أن لا يذهب فيبقى واقفا على تلك الحال إحدى رجليه متقدمة والأخرى متأخرة عنها. وعلى هذا ففي لفظ التأخير تجوز إذ معناه إبقاؤها متأخرة نحو: يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا على وجه. الثالث أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه إلى القدام ويؤخر الخرى إلى الوراء. وهذا ظاهر اللفظ ولكن لا وجه له ولا وجود من خارج. الرابع أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه وتبقى الأخرى متأخرة ثم يقدم هذه وتبقى الأخرى وهكذا. وهذا أيضًا ظاهر من اللفظ لكن لا يصح أيضًا هنا لأنّه حالة الماشي لا الوقوف المتردد. فقد علمت أنَّ في العبارة عند تفتيشها تجوزا وخفاء مع وضوح المراد.
(27) معنى ساقطة من المطبوع 366.
(28) في (م) و (هـ) : من.
(29) في (هـ) : أي على ذلك المشبه، ويبدو أنها شرح من التاسخ.
(30) بالكناية وردت في الشرح في (ع)
(31) سقط من (ز)
(32) في (ع) و (ز) و (هـ) وجامع العبارات 2/ 573، والمطبوع 366: ولنتعرض.
(33) في (م) و (ز) : ثلاثة وهو خطأ
(34) في (ز) : زيادة (المذكور)
(35) صورة ساقظة من (ع) و (هـ) وجامع العبارات 2/ 573، والمطبوع 366.
(36) الصحيح إبدال (أم) بـ (أو) ، أو أن تبدل (هل) في صدر العبارة بالهمزة؛ لكونها متصلة، ولا يجوز حملها على المنفصلة كما لا يخفى، والمتصلة لا تستعمل مع (هل) إلا شذوذًا. ينظر: حاشية حفيد عصام مع حاشية الصبان 80، وجامع العبارات 2/ 574.