فهرس الكتاب
أصغى سعيد الراضي بصمت. كان من عادته، حين يرغب في إبداء رأيه، وتكبحه نظرات زوجته، أن يطلق كلماته نحو الداخل، باتجاه خلايا ذهنه المتقدة دائمًا، وعندها يسرح في حوارات مستفيضة طليقة، وتحليلات موسعة حرة، لا يبترها خوف من زوجته، ولا يكبتها قمع أو رهبة من أي كان. وبلحظة، انفصل بعقله وتفكيره عن المجموعة كلها، واسترسل في نقاش مفتوح مع ذاته. قال لنفسه: ليتني كنت أحد أفراد المقاومة الوطنية اللبنانية. ليتني أستطيع القيام بعملية انتحارية، أخترق فيها حاجزًا إسرائيليًا بحزام متفجر، أو أواجه دورية معادية برشاش لا تنضب طلقاته. ليتني أستطيع التسلل إلى الأرض المحتلة، وأقوم بعمليات تهز الكيان الصهيوني، وتزلزل قادته، وتزعج مؤيديه، وتقلق مهادنيه. ألن تكون مثل هذه العمليات أجدى بكثير من انتظار السلام، الذي لن يأتي؟ ألن تسرّع هذه العمليات في تحرير الأراضي المحتلة، وتحجيم الغرور الإسرائيلي؟
بدأ نقاشه الذاتي يتضخم، وارتفع صوته الداخلي عاليًا، ففاض عن سعة ذهنه، ومقدرته على الاستيعاب، وتسللت قطرات منه عبر صدره إلى حنجرته. وشعر بمجموعة هائلة من الناس، المختلفين في آرائهم وردود فعلهم، وقد استغرقوا في جدال عنيف داخله، وتشابكت حواراتهم لتصبح خليطًا غامضًا. لم يعد يميز كلمات المجموعة، ولم يعد يسمع سوى ضجيج صاخب مثل هدير سيارة عتيقة. وفجأة سمع الجالسون عبارة مبتورة، تجاوزت مقام «الباص» المعتاد، وخرجت من مقام «التينور» . وصمت الجميع، وراحوا ينظرون بدهشة نحوه. فقد ألفوا صمته الدائم خلال أي نقاش، وبخاصة السياسي.