فهرس الكتاب
لم تكن العبارة واضحة. وألح الجميع عليه كي يكررها. كان الأمر صعبًا عليه، وأقرب إلى المستحيل. وازداد تقلصه في مقعده، وحاول الهروب والاختباء داخل ذاته، لكنه أحس بأن الغطاء الثخين، الذي يغلف أفكاره، قد انكشف أمام الجميع، ولم يعد قادرًا على ضبطه وستر ما فضحه صوته. وشحن صدره طويلًا، ثم حرك شفتيه، لكن حنجرته لم تتجاوب معه كما أراد. وانطلقت عبارة واحدة، اخترقت الصمت الداخلي والخارجي بقوة، كانت مزيجًا جديدًا غريبًا من «الباص» و «التينور» ، مع مسحة خفيفة من «السوبرانو» . قال بهمس مبحوح: المقاومة هي الحل.
نظر الجميع إليه بعيون ثلجية خالية من أي تعبير أو انفعال. لقد حركت الكلمة داخلهم كثيرًا من ردود الفعل المتنوعة والمتباينة، التي تتراوح بين التأييد والاستنكار. كان الجميع يرغبون في إطلاقها، لكنها كانت أبعد من حدود جرأتهم، ومن المدى الذي يمنحونه عادة، أو يستطيعون منحه، لأفكارهم. وبعد قليل خرقت زوجته الصمت الطويل، وقالت له بشفتيها الصارمتين المزمومتين وعينيها الصقريتين الحادتين: هذا أمر أكبر منا، وقراره ليس بيدنا.
استفاق سعيد الراضي فجأة، ورجع من المجموعة الصاخبة المتصارعة داخل ذاته إلى المجموعة المتحفظة الجالسة حوله،. ثم انكمش في أعماق تحفظه المعتاد، وتمتم هامسًا، وهو يتأمل زوجته: صحيح، إنه أكبر منا.
4 ـ اختفاء سعيد الراضي