فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 79

وفجأة اختفى سعيد الراضي. كان موعد عودته من عمله ثابتًا في الثانية والنصف ظهرًا. وحين بلغت الساعة الثالثة بدأت هبات من القلق تتحرك في قلب زوجته. وخطرت في بالها احتمالات كثيرة. فكرت أولًا أنه ربما تعرض إلى حادث سير، واستبعدت أن يكون قد تشاجر مع أحد ما، واستبعدت أكثر وجود امرأة أخرى في حياته. وأخذت ترتب في ذهنها ردود فعلها ولسانها على كل حالة محتملة، أو غير محتملة. يجب ألا يخرج عن سيطرتها، وعليها أن تضبط أي ابتعاد عن المسار المحدد له، وأن تستخدم تكتيكاتها ببراعة حتى لا تفلت الأمور من يدها.

في الساعة الرابعة تحول القلق إلى خوف، ربما للمرة الأولى. وشعرت بحاجتها، ربما للمرة الأولى أيضًا، إلى من تلجأ إليه وتستشيره، وتطلب مساعدته في هذه الحالة الطارئة غير المتوقعة. واتصلت هاتفيًا بصديقه، ثم بصديقتها، وحاول الاثنان طمأنتها لكن قلقها وخوفها لم يتركا مجالًا لأي اقتناع. بعد نصف ساعة كان الصديق وزوجته والصديقة وزوجها في بيتها، واقترح الجميع خططًا للبحث عن الزوج المختفي. وبعد ساعتين عاد الصديق وزوج الصديقة، وأعلنا فشل جولتهما على الأصدقاء والمستشفيات. وفي اليوم التالي عرف الصديق أن سعيد الراضي متغيب عن وظيفته في إجازة لمدة أسبوع.

كان سعيد الراضي، في الحقيقة، قد سافر إلى مدينة بعيدة، واستأجر غرفة في فندق منعزل. لقد أراد التفرغ كليًا لأحلامه، دون أن يقطع متعة انسيابها شيء. وتمنى أن يحقق في أحلامه ما لا يستطيع إنجازه في الواقع. وأطلق على مغامرته هذه اسم الهروب نحو الداخل، ونفذها بعد إحساسه بقرب اختلال توازنه النفسي. أقفل سعيد الراضي باب غرفته، وخلع ثيابه كلها، واستلقى على الفراش، ثم أغمض عينيه بقوة، وابتسم منتصرًا، فقد بدأت أحلامه التي انتظرها طويلًا.

5 ـ عند الحدود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت