فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 79

وصل المواطن 7386/5/م إلى مقر عمله متأخرًا ثلث ساعة. كان سجل التوقيع مغلقًا على طاولة رئيس الشعبة، استعدادًا لإرساله إلى رئيس الدائرة. اقترب من رئيس الشعبة، وألقى عليه تحية الصباح بابتسامة نفاق وتملق. ورد رئيس الشعبة التحية بهمهمة لائمة، ونظرة غاضبة، وتجهم متحفظ يليق بمنصبه. ثم ألقى عليه محاضرة موجزة، حول الالتزام بمواعيد العمل، والتقيد بالنظام. ومع كل كلمة كان المواطن يهز رأسه تصديقًا لما يسمع، ويتمتم بكلمات آلية، كررها عشرات المرات قبل اليوم، تتضمن الوعد بالطاعة ومحاولة عدم تكرار ذلك الذنب. وكان ينظر خلال ذلك بطرف عينه، ودون أن يتعمد بالتأكيد، إلى الطاولة الشاغرة المجاورة لطاولة رئيس الشعبة، والتي لا يشغلها صاحبها، في أحسن الأحوال، أكثر من ساعة أو ساعتين في اليوم. ولم يجرؤ على مجرد التلميح إليها، ليس خوفًا من رئيس الشعبة، بل خوفًا من أن يصل تلميحه إلى صاحب الطاولة الشاغرة.

وأخيرًا تكرم رئيس الشعبة بفتح السجل، والسماح له بالتوقيع. وعندما جلس المواطن إلى طاولته، كانت تتراقص في مخيلته سلسلة «تسليك» الأمور ذات الحلقات الذهبية. وفكر هل هي وسيلة لتسليك الأمور فعلًا، أم أنها جزء من تركيبة راسخة فوق مستوى فهمه. وتتالت حلقاتها في ذهنه: الولد ينافق أمه ويتملقها لنيل مطالبه. الأم تنافق زوجها وتتملقه لاتقاء غضبه وسخطه. الأب ينافق رئيس شعبته ويتملقه لكسب رضاه وتجنب عقوبته. رئيس الشعبة ينافق رئيس الدائرة ويتملقه كي يضمن الاستمرار في منصبه. رئيس الدائرة ينافق المدير العام ويتملقه، لأنه اعتاد منذ زمن طويل على السخاء بالنفاق والتملق، نحو من هو أعلى مرتبة أو أقوى سلطة منه.

توقف مرعوبًا عن متابعة السلسلة عند هذه الحلقة. وبدأت يداه بالارتجاف، وقلبه بالخفقان، وأمعاؤه بالقرقرة. وبسرعة سحب أعلى المصنفات على طاولته، وفتحه، وتمتم في قلبه: «استعنا على الشقاء باللّه» .

5 ـ ضحى اليوم التاسع والتسعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت