فانتدب بعض تلامذة شيخ الإسلام الذين عرفوا مذهب شيخهم في هذه المسألة وغيرها فأبرأوا ذمتهم بقول الحق الذي يعرفونه، ومن هؤلاء ابن كثير المفسر والمؤرخ المشهور. حيث يقول: (دخل القاضي جمال الدين بن جملة وناصر الدين مشد الأوقاف، وسألاه -يعني ابن تيمية- عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال:(وإنما المَحَز جعله زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعًا بها) ، فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما ذكر قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذا الوجه في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها ولا هو جاهل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة} والله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء ولا يخفى عليه خافية، (( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) ) [الشعراء:227] (1) .
وقال ابن عبد الهادي في مقدمة الصارم المنكي: (قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض -يعني السبكي الكبير- أن شيخ الإسلام رحمه الله لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه ولم ينه عنه ولم يكرهها بل استحبها وحضَّ عليها ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر القبور) (2 ) ) .
رأي شيخ الإسلام فيما نسب إليه:
(1) البداية والنهاية (14/129) .
(2) الصارم المنكي، ص (24) .