لم يكن شيخ الإسلام رحمه الله يأبه لمثل تلك التشنيعات التي رُمي بها لولا أن بعض أصحابه أرسل إليه جزءًا صنفه بعض القضاة (1) في مسألة السفر إلى غير المساجد الثلاثة وأقسم عليه بالله أن يكتب ردًا ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم (2) .
قال شيخ الإسلام: (قال المعترض(3) : (أما بعد فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية المنقول عن نسخة فتياه ظهر لي -من صريح ذلك القول وفحواه- مقصده السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها) . فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يُلْحِقُ صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجُهَّال البالغين في نقض الفهم والبلادة. وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد وإن ذَكَرَ معناه فليسلك سبيل الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه ولا يذكر ما فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين، ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور وذَكْرِ قولي العلماء في ذلك.
(1) محمد بن أبي بكر الأخنائي المالكي القاضي ت. سنة 750هـ. انظر: الديباج المذهب في معرفة علماء المذهب لابن فرحون المالكي (2/321) ، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر (3/407) .
(2) انظر ابن تيمية الرد على الأخنائي ص (8-10) .
(3) الأخنائي.