والمجيب قد عُرِفَتْ كتبه وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ويذكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مسجده والأدب في ذلك وما قاله العلماء، وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية ولا حكاه عن أحد بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب أن زيارة القبور مستحبة بالإجماع ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعًا هو نزاع مرجوح والصحيح أنها مستحبة) (1) ... إلى أن قال رحمه الله تعالى: (والمقصود هنا أن ما حكاه عن المجيب أنه يُحرِّم زيارة قبور الأنبياء، وزيارة القبور كذب بَيّن على المجيب ليس في الجواب وإنما فيه السفر خاصة، وكلام المجيب فيما لا يحصيه إلا الله يبين كذب النقل وأنه يستحب زيارة قبور المؤمنين عمومًا فضلًا عن الصالحين والأنبياء. وبل نفس السفر الذي ذكر فيه قولين لم يذكر أنه يختار أحد القولين بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء فكيف يجوز أن يُحكى عنه أنه حرَّم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور وأنه ادعى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها؟! ثم من المعلوم لكل من قرأ شيئًا من العلم ما في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك، وذكر النزاع في زيارتها للنساء. هذا موجود في الكتب الصغار والكبار وقد قرأه المجيب وقُرِىء عليه مرات لا يحصيها إلا الله وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين يحضرون عنده. فكيف يحكي إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور معصية محرمة؟! ولو كان لهذا القاضي نوع عقل وحُكي له ذلك عن آحاد الطلبة لم يصدقه وقال: هل في الإسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول إن زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ فهل في الإسلام شخص يحكي الإجماع على تحريم زيارة القبور مطلقًا؟ وإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن جميع المسلمين كان انتفاؤه عن المجيب أولى(2)
(1) الرد على الأخنائي، ص (16-17) .
(2) المرجع السابق، ص (33-34) .