يقول شيخ الإسلام: (وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله وحده. منهم من قَصدُه قضاء حاجته وإجابة سؤاله. يقول:(هؤلاء أقرب إلى الله مني فأنا أتوسل بهم فهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي كما يتوسط خواص الملك لمن يكون بعيدًا عنهم، وقد ينذر لهم أو يأتي بقربات بلا نذر ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا، وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي. ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبًا من ماله أو بعض ماله، أو يجعل ولده كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم، ومنهم من يسيب لهم السوائب فلا يُذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم، فهذا صنف) (1) . الصنف الثاني: قال رحمه الله: (وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لِما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه أو التعظيم والخضوع له، فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته الممثلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيًا، ويجدون بذلك أنسًا في قلوبهم وطمأنينة وراحة كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه، وكما يحصل للقريب أو الصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه، لكن ذلك حب وتعظيم ديني فهو أعظم تأثيرًا في النفوس، ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره وإن كان أفضل.
(1) الرد على الأخنائي، ص (90-91) .