الصفحة 154 من 323

ثم يقال: أما جلود أهل التوحيد المتبعين للرسول العالِمين بمقاصده الموافقين له فيما أحبه ورغب فيه وكرهه وحذر منه فإنها لا تقشعر من هذا الفرق بل تزيد قلوبهم وجلودهم طمأنينة وسكينة وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فلا تزيدهم قواعد التوحيد وأدلته وحقائقه وأسراره إلا رجسًا إلى رجسهم، وإذا سلك التوحيد في قلوبهم دفعته قلوبهم وأنكرته ظنًا منهم أنه تنقص وهضم للأكابر وإزراء بهم وحط لهم عن مراتبهم وأتباع هؤلاء ضعفاء العقول وهم أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وأما أهل العلم والإيمان فإنما تقشعر جلودهم من مخالفة الرسول فيما أمر ومن ترك قبول قوله فيما أخبر ومن قولى القائل وإقراره بأن اليقين لا يستفاد بقوله صلى الله عليه وسلم وأنه يجب تقديم عقول الرجال وآرائهم على قوله صلى الله عليه وسلم إذا خالفها وأنه يجب أو يشرع الحج إلى قبره ويجعل من أعظم الأعياد ويحتج بفعل العوام والطغام على أن هذا من دينه صلى الله عليه وسلم، ويقدم هديهم على هدى المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ويستحل تكفير من نهى عن أسباب الشرك والبدع ودعا إلى ما كان عليه خيار الأمة وساداتها ويستحل عقوبته وينسب إلى التنقص والإزراء. فهذا وأمثاله تقشعر منه جلود أهل العلم والإيمان) (1) . إلى قوله: (وقوله إن المبالغة في تعظيمه واجبة) . أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كروب المكروبين وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء؟ فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين، أم يريد بها التعظيم الذي لشرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من وجوب

(1) انظر الصارم المنكي ص (457-459) (مختصرًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت