يقول السُّبكي (1) في كتابه التعظيم والمِنَّة في: (( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) ) [آل عمران: 81] (في هذه الآية من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه صلى الله عليه وسلم في زمانهم(2) يكون الأمر مرسلًا إليهم؛ فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: {بُعثت إلى الناس كافة} لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا، ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: {كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد} . وأنَّ من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأنَّ علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت أمر ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت؛ ولهذا رأى آدم اسمه مكتوبًا على العرش (محمد رسول الله) فلا بُدَّ أن يكون ذلك معنى ثابت في ذلك الوقت، وإذا كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد؛ لأنَّ جميع الأنبياء يعلم الله نبوُتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بُدَّ من خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم، لأجلها أخبر بهذا الخبر
(1) أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن السُّبكي المصري الشافعي الصوفي الأشعري. ولي القضاء بدمشق نحوًا من سبع عشرة سنة، ثم نزل عن ذلك لولده تاج الدين عبد الوهاب، وقد سمع الحديث في شبيبته بديار مصر، ورحل إلى الشام، وقرأ بنفسه وكتب، وخرَّج، وله تصانيف فيما يمس العقيدة يجب الحذر منه، وكان كثير التلاوة، قال عنه تلميذه جمال الدين الأسنوي صاحب طبقات الشافعية (إلا أنه يُعاب عليه حرصه على جمع الوظائف له ولأهله) . توفي سنة 756هـ. انظر: طبقات الشافعية للأسنوي (2/76) ، والبداية والنهاية (14/264) .
(2) أي الأنبياء وأممهم.