الصفحة 69 من 323

إعلامًا لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى فيحصل لهم الخير بذلك.

فإن قلت أريد أن أعرف ذلك القدر الزائد. فإنَّ النبوة وصف لا بُدَّ أن يكون الموصوف بها موجودًا، وإنما يكون بعد الأربعين سنة أيضًا فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله، وإن صح ذلك فغيره كذلك؟! قلتُ: قد جاء أنَّ الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله كنت نبيًا إلى روحه الشريفة، أو إلى حقيقته والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها، ومن أمده الله بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من قبل خلق آدم، آتاه الله ذلك الوصف بأن خلقها متهيئة لذلك، وأفاض عليها من ذلك الوقت فصار نبيًا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة من الحضرة الإلهية. وإنما يتأخر البعث والتبليغ وكل ماله من جهة الله تعالى، ومن جهة تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخير فيه، وكذلك استنباؤه، وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم. وغيره من أهل الكرامة قد تكون إفاضة الله تعالى له تلك الكرامة بعد وجوده بمدة كما يشاء الله تعالى... إلى أن قال: فعرفنا بالخبر الصحيح حصول ذلك الكمال من قبل خلق آدم لنبينا صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه، وأنه أعطاه النبوة من ذلك الوقت ثم أخذ المواثيق له على الأنبياء، ليعلموا أنه المقدم عليهم، وأنه نبيهم ورسولهم) (1) .

أقول وبالله التوفيق:

(1) السبكي: التعظيم والمنة نقلًا عن الخصائص الكبرى للسيوطي (1/8-10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت