ثالثًا: وأمَّا الاعتراض الذي أورده السبكي على ما قاله (فإن النبوة وصف لا بُدَّ أن يكون الموصوف بها موجودًا...) . فيقال فيه: لا يُشترط للموصوف بالنبوة أن يكون موجودًا قبل زمان وجوده؛ لأنَّه لا يترتب على هذا الوصف أحكام كما يترتب عليها بعد وجوده. وأما السبكي فقد رتب على هذا الوصف أحكامًا منها: إرسال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأنبياء وأممهم قبل أن يوجد صلى الله عليه وسلم؛ لذا احتاج السبكي أن يتكلف إيجاد معنى يقبله العقل الصحيح كيف يكون مرسلًا إليهم مع تأخر وجوده صلى الله عليه وسلم عنهم؟ فقال مرة: (فقد تكون الإشارة بقوله كنت نبيًا إلى روحه الشريفة) أو (إلى حقيقته صلى الله عليه وسلم والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها) واستدل للأول بحديث: {إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد..} ، وهذا الحديث حكم عليه ابن حجر الهيتمي (1) بأنه باطل لا أصل له (2) . وأمَّا الثاني فقد أحال فيه إلى أمر تقصر العقول عن معرفته، وهي الحيدة حجة المفاليس الذين عجزوا عن الإتيان بدليل سمعي وعقلي صحيح.
والسبكي مقلد في هذا الفهم لشيخه الأكبر وكبريته الأحمر فيلسوف القوم ابن عربي (3) الذي أورد في فتوحاته المكية: دليلهم الثالث: {كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين} (4) .
يقول ابن عربي في تعليقه على ما أورد: (يُريد على علم بذلك فأخبره بمرتبته وهو روح قبل إيجاد الأجسام الإنسانية) .
(1) أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي فقيه باحث، مولده في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر، وهو معروف بتأثره بالسبكي ودفاعه عن القوم، له مصنفات منها الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والفتاوى الحديثية ت. 974هـ. الأعلام للزركلي (1/234) .
(2) الهيتمي: الفتاوى الحديثية ص (119) .
(3) انظر ترجمته وبيان مذهبه في المبحث التالي ص (114) .
(4) الفتوحات المكية (1/134-135) ، دار صادر.