فهرس الكتاب
استدل جمهور المتكلمين على حجية مفهوم المخالفة من النقل استنادا إلى ما قرره علماء اللغة ، وعلى أفهام الصحابة والفقهاء:
فأما علماء اللغة العربية فيعملون بمفهوم المخالفة ، ومن أئمتهم أبو عبيدة وتلميذه عبيد ؛ اللذان قالا في حديث { مطل الغني ظلم } ' [1] ' ، أنه يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم ، وهم إنما يقولون في مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب ' [2] '. والإمام الشافعي - رضي الله عنه - وهو أيضا من أئمة اللغة الذين يحتج بقولهم ـ احتج بقوله الأصمعي وصحح عليه دواوين الهذليين ـ اعتبر مفهوم المخالفة حجة شرعية ' [3] ' .
وأما كبار صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستنبطوا أحكاما بدليل الخطاب ، لأنهم فهموا من قوله تعالى: { وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ' [4] ' ، أن القصر لا يكون إلا في حالة الخوف ، وأنه لا يكون في حالة الأمن ، وهذا عمل بالمفهوم المخالف ؛ فقد سأل يعلى بن أمية سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ما بالنا نقصر وقد أمنا ؟ فقال له عمر: تعجبتُ مما تعجبتَ منه فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: { صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته } ' [5] ' ، ' [6] ' ، ونفهم من هذا الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر - رضي الله عنه - على أخذه بمفهوم المخالفة ، لأن تقصير الصلاة الرباعية في حالة الأمن صدقة من الله بمنطوق الحديث ، والمنطوق الصريح يترجح على المفهوم المخالف للآية ، لأن المنطوق يقدم على المفهوم عند تعارضهما .
(1) أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون، باب مطل الغني ظلم.
(2) أصول الفقه للعربي اللوه: ص301.
(3) مناهج الأصوليين: ص257.
(4) سورة النساء الآية 104.
(5) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها.
(6) المستصفى: ج2 ص197.