فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 337

وإذا ما تجاوزنا تلك المرحلة إلى أخرى لاحقة نجد الإنسان قد اهتم بسمعه أيضًا، فاهتدى - قبل أن يهتم بالمدرك البصري- إلى الإيقاعات، والنغمات، والموسيقى، ذات التتابع الفني الأول الداخل في الوعي الإنساني، وهو ولا ريب نتاج سمعي قبل أن يكون نتاجًا بصريًا، واستخدام السمع ليس تعويضًا عن البصر عند فاقديه حسب، بل عند المبصرين أيضًا عبر الحواس المختلفة، لفهم الصورة المتشكلة من ألفاظ دالة عليها، والسماع يعوّض عن الرؤية، خاصة إذا كان بعيدًا تتعذر رؤيته،"والإنسان يستطيع أن يدرك عن طريق الكلام أفكارًا أرقى وأسمى مما قد يدركه بالنظر، الذي مهما عبر فتعبيره محدود المعاني غامضها" [1] ، على أن السمع أوجد لنا أرفع فنون الجمال [2] ، وإذا كانت العين ترى الجمال فتتأثر به، فللأذن أن تراه أيضًا وتتأثر به، وأن أوتار السمع مزدوجة الوظيفة فكما تنقل المسموع تفرز ما بين المسموعات من الفروقات الجمالية الدقيقة [3] .

فالموسيقى والإيقاع والحداء والإنشاد والغناء، بما فيه أغاني ترقيص الأطفال، وأغاني العمل، من حفر الآبار، وامتياح المياه كلها مدركات سمعية دخلت الأدب بعامة، والشعر بخاصة، وامتزجت مع النفس الإنسانية، على أن اللغة كما قلنا سمعية في مراحل نشأتها الأولى، اعتمدت على ما تتسقطه الأذان لحفظها وتعلمها، ومن ثم النطق بها،"واللغة تطغى على جميع ما عداها بتنوع وسائل التعبير ... وهي اللغة السمعية التي تُسمّى لغة الكلام أو اللغة الملفوظة" [4] .

والعصر الجاهلي يعتمد السماع أساسًا، وقد قام الرواة بدور كبير في نقل الأخبار، والحوادث، والوقائع إلى مختلف القبائل، وخاصة الشعر الذي كان ينتشر بسرعة فائقة، ولذلك جرى الاهتمام بالرواة وتتبعهم ومنحهم الثقة أو سحبها منهم.

(1) الأصوات اللغوية: 15 وما بعدها.

(2) مسائل فلسفة الفن المعاصرة: 65-66.

(3) بلاغة أرسطو بين العرب واليونان: 91.

(4) اللغة. فندريس: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت