فهرس الكتاب
على أن البحر السريع قد استجاب لأفكار الشاعر، وماتنطوي عليه من هجاء، فالإيقاع السريع ينسجم والحالة النفسية التي عليها الشاعر وإن كان هذا البحر يجهدهُ في الإنشاد، بيد أنّه يأخذ نفسًا وراحة في ألف المدّ اللينة في كل من (سادرًا والأعداء، والقادر وأسرارها، وضائرى) .
وقد ردّت الخنساء، وعيد دريد بن الصمة وتهديده بالزواج منها بأمر عزم عليه أخوها صخر:
أُيُوعدني حُجَيَّةُ كلَ يومٍ
بما آلى معاوية بن عمرو
تَخفّى جمعهم في كلِ جُحْرِ [1] ... قُبَيِّلةٌ إذا سمعوا بذعرٍ
فاستخدمت الخنساء قوّتها الشخصية على وعيد دريد، على أن الصورة الكلية شكلّتها لفظة سمعية (أيوعدني) وتكرار هذا الوعيد كل يوم، ولفظة (سمعوا) التي تجعلهم يتخفون /كلما سمعوا/ ذعرًا في كل جحر مثل الحيوانات.
والتجأت الخنساء إلى التشديد في (حجيّه) و (قبيّلة) ، مع المجانسة بين (ذعر وجحر) لتقوية النغم من جهة، وتقوية الصورة المشوهة لدريد وقبيلته عندما صغّرت لفظة القبيلة، كما تجانس الإيقاع الخارجي في البحر الوافر لتحقيق الغرض الذي توخته الخنساء.
إن حسن استخدام الشاعرة للأداء السمعي ورسم صورة كاريكاتيرية يعود إلى طبيعة الشاعرة وقدرتها.
النقائض:
أساس النقائض الهجاء، حيث ينقض الشاعر ماقاله الشاعر الأول من هجاء له، والنقائض في الشعر الجاهلي، ولكنها شكلت نواة النقائض في العصر الأموي، وبالرغم من ذلك فالنقائض قد ضمنت ألفاظًا سمعية مثل: القول، والشتم، والهزء، وهي لاتخرج عن ألفاظ الهجاء المختلفة، وفي رأينا لاتشكل إضافة ماهو جديد في أدائها السمعي.
ومن تلك النقائض ماحدث بين قيس بن زهير وعروة بن الورد، قال قيس بن زهير:
أذَنْبٌ علينا شتم عروة خالَهُ ... بقرّة أحساءٍ ويومًا ببدبَدِ
(1) الخنساء: 120-121. حجية: لقب هجت به الخنساءُ دُريدَ بن الصمة.