فهرس الكتاب
وهو في مسيره في الصحراء إذا ما سمع العزيف، كالطبل، المتمثل بصوت الرمال في الصحراء، إذا ماهبت عليها الرياح الشديدة، فعزف الريح يفزعه حتى تذهب به الظنون مذاهب شتى، فيخاله عزيف الجن.وقد قال الجاحظ مصورًا لنا هذه الحالة:"ويكون في النهار ساعات ترى الشخص الصغير في تلك المهامة عظيمًا، ويوجد الصوت الخافض رفيعًا، ويسمع الصوت الذي ليس بالرفيع مع انبساط الشمس غدوة من المكان البعيد، ويوجد لأوساط الفيافي والقفار والرمال والحرارة، في أنصاف النهار، مثل الدوى، من طبع الوقت وذلك المكان عندما يعرض له وفي تعليل مايتخيله الأعراب من عزيف الجن" [1] .
ويستمر الجاحظ يعلل لنا هذه الظاهرة:"أصل هذا الأمر وابتداؤه أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش، وعملت فيه الوحشة، ومن انفرد وطال مقامه في البلاد والخلاء، والبعد من الأنس استوحش. الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن تفكر، وداخلته الظنون الكاذبة، والأوهام المؤذية، فصورت له الأصوات، ومثلت له الأشخاص وأوهمه المحال" [2] والجن من حكمها أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي [3] .
ولذا فهو يتصور أشياء لا وجود لها، واختلط عليه:"وإذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب وتفرق ذهنه، ... فرأى مالا يرى، وسمع مالا يسمع وتوهم على الشيء اليسير الحقير أنه عظيم جليل" [4] .
ومن هنا كان التوهم الذي يعلق بالذهن بعد تصوره وسماعه، وعلى مافي اتساع الفلاة، وماتخفيه من مفاجآت، فإن الصوت المُدَوّي فيها يحسبه السامع صوت الجن، وليس مبعث الخوف ليلًا صوت الجنّان، وإنما ينبعث الصوت ظهرًا أيضًا وفي الهاجرة [5] ، حيث الأرض القفراء البعيدة التي خلت من الماء والأنيس، فتشتد الوحشة، ويزداد الخوف.
(1) الحيوان: 6/248.
(2) الحيوان: 6/249، مروج الذهب: 2/160.
(3) مروج الذهب: 2/160.
(4) الحيوان: 6/250.
(5) بشر بي أبي خازم: ق41/203، المثقب العبدي: ق أ/16/8.