فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 337

وهناك من الصور الذهنية النابغة من التخيل، التي يسبغ عليها الشاعر من المعارف والعلوم، والقصص، والأمثال، فضلًا عن التأمل، مايجعلها متغيرة تبعًا لهدف الشاعر من الحسي إلى المجرد، أو بالعكس، بإطلاق الألفاظ التي تتلاءم مع كليهما، تتضمن خواصهما، أو أن الشاعر يقوم بتوضيح المجردات أو المعنويات بألفاظ تعبّر عن المدركات الحسية، ويتوقف ذلك على قدرة الشاعر الإبداعية في جعلها محسوسة بالبصر والسمع، كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي:"لأن الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاؤوا... فيقرّبون البعيد، ويبعدّون القريب..." [1] .

وقد أكد هذا المعنى حازم القرطاجني بقوله:"قلَّ مايخفى عليهم مايظهر لغيرهم، فليس يقولون شيئًا إلاّ وله وجه" [2] .

وذهب بعض الفلاسفة المسلمين إلى كون الشعر محسوسًا، والمحاكاة فيه إمّا أنْ تكون محاكاة أشياء محسوسة بأشياء أخر محسوسة، وأمّا أنْ تكون محاكاة أشياء معنوية بأشياء محسوسة [3] .

وقد أوضح هذا الأمر ابن رشد حين قال:"وإجادة القصص الشعري والبلوغ به إلى غاية التمام متى بلغ الشاعر من وصف الشيء أو القضية الواقعة التي يصفها مبلغًا السامعين له كأنه محسوس ومنظور إليه" [4] ، على أنَّ ابن مسكويه بيّن أهمية الحواس في إدراك مالا تدركه، بسبب من الأنس بالحواس والإلفة لها [5] لأن الصور الحسية تقوم بمهمة تقريب الأشياء المجردة والأمور المعنوية وتوضيحها، أي تقريب ماهو غائب عن الحس بما هو حسّي للجمهور الذين يعجزون عن إدراك الأفكار المجردة إلاّ عن طريق الحس والتخييل [6] .

(1) زهر الآداب: 1/633.

(2) منهاج البلغاء: 144.

(3) فن الشعر من كتاب الشفاء: 190.

(4) تلخيص الشعر: 124، فن الشعر: 229.

(5) الهوامل والشوامل: 240-241.

(6) ينظر كتاب: نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين: 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت