فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 337

واستطاع بعض الشعراء أن يوظف قصص الموروث الغيبي، والحكايات، من خلال ماتحمله من رموز ينبثق منها مغزى يتخفى الشاعر وراءه ليعبر عن حالته، أو حالة قومه، ومن الصور التي استحضرها الشاعر الجاهلي توظيفه (الحيّة) في الصورة الذهنية السمعية، حيث نجد للحية رموزًا في الأيام وأشعارها، وهي أيضًا موروث شعبي تناهى إلى الشاعر من أجيال بعيدة متقدمة، -كما يقترن ذكرها بالمرأة كثيرًا، ولم يعدّوا الحية من فصائل الجان حسب، بل هي بنت الجان [1] .

وفي تأملنا لقصيدة النابغة الذبياني من حديثه (الحية) وصاحبها، حيث روى لنا حكايتها ملخصة [2] ، وقد ضرب بها مثلًا، وساق حكايتها ليوضح لنا حالته مع قومه، مثل حالة الحية وأخي الرجل الذي قتلته، حيث يقول النابغة:

كما لقيت ذات الصَّفا منْ حليفِها

ما انفكّت الأمثالُ في الناسِ سائِرَه

وإنّي لألقى من ذوي الضغن منهمُ

وما أصبحت تشكو منَ الوجدِ ساهره [3]

يعقد الشاعر حوارًا مع الحية وأخي القتيل، بدلالة الألفاظ السمعية (القول، الدعوة، التواثيق بالله) لتشكيل الصورة السمعية من:

فقالت له: ادعوكَ، للعقل وافيًا

ولا تغشِيَنِّي منك بالظلمِ بادِرَه

فواثقها باللهِ حينَ تَرانينا

فكانتْ تَديهِ المالَ غِبًّا وظاهره [4]

(1) كتاب أيام العرب قبل الإسلام: 204-205.

(2) أمثال العرب للضبي: 177-179. أن حية قتلت شخصًا، ولكنها عقدت مواثقة بينها وبين أخيه، قررت أن تعطيه مالًا بين يوم وآخر، بيد أن الطمع قد أخذه، فلم يجد بدًا من قتل الحية ليأخذ الكنز الذي تملكه دفعة واحدة بدلًا من الانتظار لمدة طويلة، وفي الوقت نفسه يحقق ثأر أخيه، فضربها بالفأس فأخطأها، ولم تقتل، فدعاها إلى الميثاق ثانية وإكمال الدية، فرفضت هذا العرض لخيانته.

(3) النابغة الذبياني: 131.

(4) المصدر نفسه: 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت