فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 337

نجد الشاعر قد مزج بين المعنوي (العقل- التراضي- الظلم) ، وبين الحسّي (الدلالة السمعية) لإدراك مالا يدرك بالحواس، والأفعال، التي تدرك لتوضيح المجرد المعنوي، فالظلم لا يدرك إلاّ بالفعل الحسّي:

فلّما توفى العقل إلاّ أقلّهُ

وجارتْ به نَفْسٌ عَنِ الخيرِ جائره

تذكَرَ أنّى يجعل الله جُنَّةً

فيصبحُ ذا مالٍ ويقتل واتره

فلّما رأى أنْ ثَمَّرَ الله مالَهُ

وأثَّلَ موجودًا وسَدَّ مفاقِرَهْ

أَكَبَّ على فأسٍ يحدُّ غُرابَها

مُذَكّرةٍ مِنَ المعاولِ باتِرَه

فقام لها مِنْ فوقِ جُحْرٍ مُشَيَّدٍ

ليقتلها أو تُخطئُ الكفُّ بادره [1]

نجد الشاعر قد مزج بين الاستفهام الاستنكاري (كيف) الذي استخدمه في معنى النفي بالتذكر (السمعي) فاختلط الحسي بالمعنوي لتسويغ قتل الحيّة بعد انتفاء اليمين المانع من قتلها (سمعي) ، ليستحوذ على الكنز (الحسي) ، وقد دأب على فأس يحدها عن طريق الحك بحديد أو حجر، (وهي أصوات نسمعها) لتصير شفرة الفأس حادة سريعة:

فلما وقاها الله ضربةَ فأسِهِ

وللبِرِّ عينُ لاتُغَمِّضُ ناظِرَهْ

تَنَدَّمُ لمّا فاته الذَّحْلُ عِنْدَها

وكانتْ له إذْ خاسَ بالعهدِ قاهِره

فقالَ: تعالي نجعل الله بيننا

على مالِنا أَو تُنْجِزي لي آخِرَهْ

فقالتْ يمينُ الله أَفْعَلُ إنني

رأيتُكَ مسحورًا يَمينُكَ فاجِرَه [2]

إن الموعظة التي سردها لنا النابغة معنوية، بيد أنه قرّبها لنا بالحسية، فـ (العين ساهرة) على الظاهرة (بصرية) ، والبرّ (معنوية) ، ولكنها في الأصل برّ الحيّة بقسمها، فخرج المعنوي بالحسيّ السمعي (القسم) ، وإنما أراد بـ (العين) العِلم، و (الغَمْض) الغفلة، فهما لفظتان معنويتان، قرّبهما الشاعر بما هو حسي عن طريق (البَصَر) لأنهما حقيقة عقلية، ولذلك أخبرنا الشاعر أنّ الله سلَّمها من القتل لكونها برّت بقسمها، في حين خان مواثقها العهد.

(1) النابغة الذبياني: 134.

(2) النابغة الذبياني: 134-135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت