فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 337

إن (الهامة والصدى) من الصور الذهنية، حيث يكمن فيها الانحراف عن الاعتيادي وغير المألوف إلى غيره، إذ يصوّر لنا الشعراء الأشياء المجردة أو المعنوية (النزعة للثأر) بالمدركات الحسية (البصرية+السمعية) في أغلب الأحيان، وتصوير (النفس) المعنوية بالحسية (طائر) يقترن بالسمعية (يصرخ) ، مستوحشًا يصيح: اسقوني اسقوني، لايسكنّه إلاّ الثأر، وهي طريقة جرّد منها الشعراء صوتًا يصرخ، محرّضًا على تلبية نوازع النفس الداخلية التي لاتهدأ إلاّ بأخذ الثأر، وإن التخييل جعل عملية التصوير في الأذهان حاصلة لقوة الإدراك، ممّا يؤلف الشاعر بين المحسوسات والمعنويات، وإبراز الثأر (المعنوي) بإسباغ الحسيّ ليرى ويسمع، حيث يعمد الشاعر إلى صياغة المعطيات الموروثة بما يسبغه عليها من معطى تأملي، وقدرة على الربط بين المحسوس والمجرد عبر التخييل ضمن براعة الشاعر وإبداعه، فضلًا عن المعطى النفسي، والباعث الذي يستجيب للموروث القديم، والاستجابة للباعث الآني، كي يحدث التناسب بينهما.

وقد تناول الشعراء هذه الصورة الذهنية:

سُلِّطَ الدَّهرُ والمنونُ عليهم

فلهم في صدى المقابرِ هامُ [1]

إن الصورة أساسًا هي معنوية تمثلت في (الدهر- المنون) ولكن الشاعر ألّف بين المحسوس والمعنوي بما أسبغ عليهما من صورة ذهنية محسوسة سمعية، حيث ينطلق الصوت للثأر بعد أنْ تسلطت المنون التي أدت إلى هذه النتيجة حيث صور المقابر، و (صياح) الطائر المتوحش الذي يبعث الخوف في النفوس، ويحفّز أهل القتيل، ولايهدأ (الصوت) إلاّ بأخذ الثأر.

قال عبيد بن الأبرص:

في كلِّ وادٍ بينَ يَثـ ... ـربَ فالقُصورِ إلى اليمامه

تطريبُ عانٍ أو صيا ... حُ محرّقٍ أو صوتُ هامه [2]

(1) أبو دؤاد الأيادي: ق60/339.

(2) ديوانه: ق48/125، حاتم الطائي: 23-24، الأسود بن يعفر: ق12/1/25، النمر بن تولب: ق7/1-2/40-41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت