فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 337

ومن هنا فالبحث يرى أن لوحة الصيد والصراع هذه متخيلة لاستنزال الغيث، وإحلال الخصب بدلًا من الجفاف، وخدمة للغرض الذي يتوخاه الشاعر لإثبات القوة الفردية له أو لممدوحه.

وإذا ماتتبعنا تلكم اللوحات الذهنية المستندة إلى أساس التقاليد سنجدها ذات معنى كامل، يكونه قصدٌ يستند إلى معرفة"فالصورة الذهنية لا يمكن أن يكون لها من غير المعرفة التي تؤلفها" [1] .

ولوحة الصيد لدى الشاعر الجاهلي صورة ذهنية مرجعها المعرفة، والطبيعة وإن لم يلتقطها منها مباشرة، بل التقطها من الموروث التقليدي.

وإذا ما تتبعنا لوحة صيد لبشر بن أبي خازم فسنجد الثور قد ألجأته الريح الباردة الشديدة التي تحمل الحصباء مع المطر في صحراء مقفرة ليبيت على جنبه وخده، ولا يسمع سوى صرير الريح والحصباء، أو دقائق البَرَد والثلج، وعند الصباح تبادره الكلاب، ويدور القتال بينهما، فلما رأى الصياد أن كلابه قد طعنت ناداها من بعيد، في حين كان الثور شعلة من نار لبياضه وخفته.

إن اللوحة قد حفلت بالصور الحسية بعد أن كانت ذهنية، ولكنها لم تكن خلوًا من الصور السمعية مثل: صورة البرَد والريح والمطر وصوت الصياد، وتتابع صوت الصاد المهموس المطبق الذي دلّ على صوت وخوف مثل (حاصب) ، صحراء، صرير، أصات) وماأشاعه من جرس موسيقي داخلي ونغم صاخب يخدم الصورة السمعية:

فألجاهُ شَفّانُ قَطْرٍ وحاصِبُ

بصحراءَ مَرْتٍ غيرِ ذاتِ مُعَرَّسِ

وَبتْنَ رُكودًا كالكواكبِ حَولهُ

لهنَّ صريرٌ تحتَ ظلماءَ حِنْدِسِ

فلمّا رأى رَبُّ الكِلابِ عذيرَها

أصاتَ بها مِنْ غائطٍ مُتَنَفِّسِ [2]

(1) المعنى الأدبي، وليم راي: 31.

(2) بشر بن أبي خازم: ق21/103-104. الشفّان: الريح الباردة مع المطر. الحاصب: ريح شديدة تحمل التراب والحصباء. صحراء مَرْت: قفر لا نبات فيها. الغدير: الحال. الغائط: المتسع من الأرض المتنفس: المتسع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت