فهرس الكتاب
وخرج الثور منتصرًا في لوحة أخرى، ولما اشتد الصراع بينه وبين الكلاب ولما لم تقدر عليه تواكلت العواء [1] ، وقبل بدء الصراع سمع نبأة وهو لا يخطئ في سمعه [2] فارتاع من صوت الصياد [3] .
على أن لوحة الصيد التي تتحول إلى صراع تكاد تكون متطابقة في إطارها العام، بل حتى تتطابق في الألفاظ، ولذلك أضحت تقليدًا يترسمه الشعراء.
ومن الصور الذهنية لوحة حمار الوحش والصياد، وصورة حمار الوحش تمثل الكفاح ضد الطبيعة، والخطر الخارجي، ذلك الصراع الأزلي من أجل البقاء، حيث المغالبة الشاقة للمكاره، والجلد على المشاق، والتحمل غيرة على اتنه من الفحول، وحمايتها من الصياد.
إن لوحة الصراع مع الطبيعة القاسية، والانفلات من الصياد وكلابه تمثّل رمزًا للجماعة التي تنتصب لهم شباك الموت في كل مفازة، وعند تجمع المياه، حيث يبل الحائم الصدى عطشه. بيد أن منطق الصراع هو الذي يسود إما بانتصار حمر الوحش، وإما الصياد.
ويستشرف الشاعر في مثل هذه اللوحات الأبعاد النفسية، متصورًا في ذهنه مواقف متعددة، يرويها لنا، متوسلًا بها التعبير عن الحياة، ومايكتنفها من مخاطر، ومايلفها من مواقف مختلفة، مفعمة بالتناقضات حيث"يرصع تجربته هذه بلمحات من أفكار تخطر في ذهنه...، يعبئ حواسه كلها من أجل عملية البناء الشعري [4] ."
وإذا مانجح الشاعر في نقل الصورة الذهنية إلى المتلقي، فقد تحررت من أسارها داخل الشاعر، ليتفاعل معها المستمع، ليتحسر بوقعها الصوتي والجمالي، وإذا ماحصل التفاعل معها تحقق المجهود الفكري والنفسي.
(1) بشر بن أبي خازم: ق11/53.
(2) المصدر السابق: ق16/83 ولوحة الصراع هنا ناقصة. وانظر 25/120، 121
(3) النابغة الذبياني: 79.
(4) شعر الطرد عند العرب: 289.