فهرس الكتاب
وعند التفاعل مع النص يتحرر الشاعر والمتلقي من أسار الذهنية المحضة إلى الوضوح، وهو مايتوقف على قدرة الشاعر وإبداعه من جهة، وثقافة المتلقي من جهة ثانية، فضلًا عن وعي الفاصلة الزمنية بينهما.
إن لوحة صيد حمار الوحش، لوحة صراع شغلت ذهن الشاعر الجاهلي لكونها تمثل الجماعة، وهي وإن كانت تستند إلى الصراع الواقعي فهي ذهنية، ولذلك فهي"تنحرف عن المعتاد القياسي لابد وأن يكون لها انحراف مرافق عن الاستعمال العادي" [1] .
فقد يمضي الشاعر مصورًا حمار الوحش في لوحة الصيد مُيمّمًا وأتنه صوبَ الماء حيث يتربص به الصياد، يمنّي النفس والعرس. والأولاد بصيد يحسر عن وجوههم الشحوب ويسكت أصوات الجوع، فيرمي السهم، أو يرسل عليها كلابه، تروي الأتن ظمأها على عجل بحماية الحمار، وتلوذ بعد ذلك بالفرار، ويطيش السهم الذي ساقه وترٌ قويّ ويمضي مصوّتًا مترنمًا دون فائدة للصياد [2] .
ويرسم لنا الشاعر صورة سمعية لصيد حمار الوحش بمفرده، حيث راقبه الصياد، ورماه بالسهم فأخطأه، وقد استعان الشاعر بالصور الحسية المتعددة وصولًا إلى الصورة السمعية (صوت وتر القوس) ليوضح لنا الحالة، وهي قاتلة لا محالة، وقد ربط بين صوت الوتر وبين النائحة، للضربة المميتة التي أخطأت حمار الوحش، فاستحضر الصورة الذهنية السمعية:
مَعَهُ مُتابِعَةٌ إذا هو شَدَّها
بالشِّرعِ يستشزي له، وَتَحَدَّبُ
ملساءُ، مُحْدِ لهُ كأنَّ عَتادَها
نَوَّاحةٌ نَعَتْ الكرامَ مُشَبِّبُ [3]
(1) نظرية الأدب: 236.
(2) زهير بن أبي سلمى: ق24/207-211، الأعشى: ق15/121.
(3) زهير بن أبي سلمى: ق24/209-210. المتابعة: القوس المنقادة لمطواع. الشِّرع: جمع شرعة وهي الوتر، يستشزي: يرتفع ويتحدب. المُحْدِلَة: التي أعلاها أوسع من أسفلها. العَتاد: وهو صوت وترا لقوس إذا رمي عنها. المشبب: النائحة تشبّب الحزن وتؤرثه.