فهرس الكتاب
على أن وقفة تأمل لمسار تلك اللوحة تمنحنا مانستدل به على أن الشاعر كان في أهنأ لحظات حياته مع الحبيبة، ولكن الفراق آلمه، وأثار مكامن المواجع مع مايساور الشاعر من حزن عميق.
إن الدهر الذي عجل بالفراق، هو الصياد نفسه الذي قتل الأحقب بعدما كان يرعى ما أنبته الربيع، معشّرًا، وناهقًا، بعيد مدى التطريب، وأولُ نهيقه السحيق وهو (أشد من النهاق) ونهايته نشيج محشرج [1] .
ومن خلال متابعتنا لشخصية الصياد نجدها تكاد لاتمثل لنا شخصية رئيسة، وقد تغيب في أحايين كثيرة، ولم تشكل لنا صورة سمعية، إلا القوس، وحالة حمار الوحش والأتن الخائفة.
وقد وصف أوس، حمار الوحش، والصياد، وصفًا حسيًا، وسرد لنا القصة، ووصف القوس، وذكر لنا نذيرها (صوتها) وأردفها بالعزيف:
على ضالةٍ فرعٍ كأنَّ نذَيرَها
إذا لمْ تُخَفِّضْهُ عنِ الوحش عازِفُ [2]
المبحث الثاني
الصورة السمعية وسلطان الحواس
ترتبط الصورة بشكل عام بروابط عديدة لا يمكن التنصل منها وإلاّ انهارت الصورة، فهي تقوم على أساس المدركات الحسية المختلفة، تنبع من الذات، ومن التجارب الحياتية والواقعية، ممتزجة بالخيال.
فإذا كان الشعر لغة -وهو كذلك- فعبر هذه اللغة تكمن ألفاظ تعبر عن حواسنا، مشكّلة صُورًا تمثل تلك المدركات الحسية، عبر الأفعال والصفات، أو مما تتركه من تأثيرات عبر الدال والمدلول.
ومهما كانت الصور ذهنية فإنها رهن باستعادة التصورات، والقيام بمقارنتها وربطها مع قدرة إبداعية، لتنبثق صورة شعرية من تعاون بعض الحواس التي أدركت أهمية العلائق التي تربط بينها.
(1) المصدر نفسه: ق2/86-88. (الشماخ)
(2) أوس بن حجر: ق 30/71. النذير: الصوت. عازف: مصوّت وعزيف.