فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 337

وإن النمو العضوي داخل القصيدة قد لايتمّ إلاّ بترابط بعض الحواس ببعضها، إذ إن تساوقها يتولد من داخل العلائق التي يتطلبها النص، إذ يقضي بيت شعري، يتطلب المعنى فيه، أو -عبر حاسة معينة- أن تنبثق حاسة ثانية وثالثة ورابعة، ليتم المعنى وتكمل الصور الحسية، وقد لاتتشكل الصورة النهائية إلاّ بتضافر عدد من الحواس.

ولاشك أن المتعة الفنية في ترابط الحواس أجمل فنّيًا، عِلْمًا أنّ لها النصيب الأوفى في شعرنا العربي.

كما أن الإحساس بالجمال لايقتصر على حاسة واحدة حسب، وإنّما ثمة حواس مختلفة يمكن بوساطتها التحسس بجمال الصور، نظرًا لما تشكّله تلك الحواس من أثر في تحقيق الغرض الذي يتوخاه الشاعر.

ولذا فإن هذا البحث قد قام بدراسة الصورة السمعية والصور التي تشكلها الحواس. الأخر وتعاونها معًا لإبراز الصورة التي كان يروم الشاعر إبرازها.

ويمكن للصورة التي يؤثر فيها سلطان الحواس أن تلقى الاستجابة من المتلقين، نظرًا لما لها من تفاعل كلي، ليس لتأثير حاسة واحدة"لأن الجهاز العضوي بأكمله وليس فقط جهاز الإبصار هو الذي يتفاعل في كل فعل من أفعاله [1] ". وتتعدد طرق الاستمتاع وتتباين في الأشياء التي يتمثل فيها الجمال [2] ، على"أن مخاطبة الحواس، والتمرد على الدلالة الحرفية، واكتشاف علاقة، وتحرك الخيال... تمثل أهم ماينبغي أنْ يتحقق في الصورة الشعرية" [3] ، فالانطباع الذي يصل من خلال حاسة معينة كالسمع مثلًا لايلبث أن يثير إيحاءات بحواس أُخَر مثل البصر: أو اللمس [4] .

وإذا ما تتبعنا مجالس الشراب والغناء فسنفرز طبيعة موقع الصورة السمعية من غيرها من الصور الحسية المختلفة، وتبيان السبب، سواءٌ أكان سبب ذلك طبيعة الصورة، أم طبيعة الشاعر، أم طبيعة الموضوع.

(1) الفن خبرة: 205.

(2) ينظر ميادين علم النفس: 468.

(3) الصورة والبناء الشعري: 38.

(4) ينظر كتاب: نظرية البنائية في النقد الأدبي: 472.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت