فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 337

وقد اخترنا الأعشى لأنه يرتاد مجالس الشراب والغناء والحانات بكثرة ولتنقله الدائم من مكان إلى آخر، وقد شاعت لديه الصور الحضرية، وفي تتبعنا لمجلس شراب وغناء له وجدناه قد اختار مجلسه في خباء قد أظل بابه سقف ممدود ووجود جارية قد طلت جسمها بالمسك والزعفران (صورة شمية لمسية) ، ومن الأكمام المشقوقة عبر فتوق قميصها يتحسس الندماء جسمها، تدير أصابعها على أوتار المزهر فكأن أنغامه كلام، ويشرب الصحب الخمر حمراء وسط شواء اللحم.

اللوحة تنبئ كما تقدم عن مجلس شراب وغناء، وأنس ولهو وفرح، وتفتح النفوس حتى يقصر اليوم الطويل بين أولئك الفتية وهم في الخباء، حيث يعمد الأعشى إلى وصف المكان والزمان، ويبدأ بالفعل الأول، والصورة الأولى بشرب الخمر باستخدام حاسة الذوق:

وقد أقطعُ اليومَ الطويلَ بفتيةٍ

مساميحَ تُسقى والخِباءُ مُرَوَّقَ [1]

وينتقل إلى صورة لاحقة، هي صورة الجارية التي طَلَت جسمها بالمسك والزعفران فبدتْ بشرتها صفراء، ومن هنا نجد تعدد الصور الحسية، فطلي الجسم (صورة لمسية) ، ولابد أن تفوح رائحة المسك والزعفران (صورة شمية) ولون البشرة أصفر (صورة بصرية) ، وتحسن الجسم عبر الأكمام (لمسية) :

وَرادِعَةٍ بالمسكِ صفراَ عندنا

لِجَسِّ النّدامى في يَدِ الدِّرْعِ مَفْتَقُ [2]

ولابد من أن تقود هذه الصور إلى صورةٍ أو صورٍ لاحقة، مثل طلب الغناء من الجارية (سمعية) ، قامت إلى مزهرها (آلة سمعية) ، وقد أدارت أصابعها على أوتاره فانبعثت منها الأنعام، مس الأصابع (لمسية) ، إنبعاث الأنغام (صورة سمعية) :

إذا قلتُ غَنّي الشَّرْبَ قامتْ بِمِزْهَرٍ

يكادُ إذا دارتْ لَهُ الكفُّ يَنْطِقُ [3]

(1) الأعشى: ق33/19/219.

(2) الأعشى: ق33/20/219. ردعه بالمسك: لطخه به. الدرع: القميص.

(3) المصدر السابق: ق33/21/219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت