فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 337

في تأملنا لهذه اللوحة في إطارها العام، يقول الأعشى إذا ماذاقها الشيخ الفاني ارتدّ إليه شبابه، فمال متغنيًا واهتز، وغنّى المغني على ألحان الطنابير الحسان، والصنج الرنّان، فإذا مافنى صوته وخَفَت، انبعث الصنج يجيبه الونّ، يمهدان للغناء من جديد، فإذا أطاعت الألحان خفت رنين الأوتار، وانطلق المغنّي بصوته الصداح.

نجد في هذه اللوحة الصور السمعية تترى الواحدة تلو الأخرى، بعد الصورة الذوقية عندما ذاق الشيخ الفاني الخمر، تغنى (سمعية) ، ومال واهتز (حركة+فعل) ، وتتابع الألفاظ ذات الدلالات السمعية والإيقاعية، السمعية المتمثلة بالآلات الموسيقية (الطنابير-الصنج، الونّ) ، وعند ملامسة الصنج (يرن) ، والرنين دلالة إيقاعية، وتختلط الدلالة السمعية (المسمع، والصوت، والغناء، والمغن) بالإيقاعية (الرنين) ، وبتضافر الحواس تشكلت الصور المتعددة (الذوقية+ السمعية+ اللمسية) ، ونجد أن الصورة السمعية في هذه اللوحة لها الصدارة لكون اللوحة قامت أساسًا على مجلس الغناء والشراب، بالرغم من تداخل بعض الصور الحسية وخاصة الذوقية واللمسية، ولابد منهما لعلاقتهما بمجمل الغناء والشراب وماتتطلبه الحالة.

ولنا أن نتأمل لوحة تميم بن مقبل، وكيف وظّف الحواس في إبراز الصور المتلاحقة في ليلة شراب وغناء، فيبدأ بوصف المكان، حيث رمل مستدير، تحيط به جبال، مستضيئًا بالسليط المصوّب على الذبال، والصورة كما نرى بصرية، يتطلبها وصف المكان ومايدور حوله:

بِتْنا بِدَيِّرَةٍ يُضيءُ وجوهَنا

دَسَمُ السليطِ على فتيلِ ذُبالِ [1]

ثم انتقل إلى صورة لاحقة هي النشوة (لمسية) بعد الشراب (ذوقية) من زقّ عظيم ضخم داكن أغبر يميل إلى السواد (بصرية) شدّتْ أرجله بالحبال (لمسية) :

حتى انتشينا عندَ أدكنَ مَتْرَعٍ

جَحْلٍ أُمِرَّ كراعُهُ بعقالِ

ممَا تُعَتّقَ في الدِّنانِ كأنها

(1) تميم بن مقبل: ق33/13/257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت