فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 337

في تأملنا للوحتي الأعشى، ولوحة ابن مقبل، نجد تباينًا في المكان ابتداء، فابن مقبل اختار المكان في صحراء حيث الرمل المستدير الذي تحيط به جبال، في حين كان مجلس الأعشى في خباء قد أظل بابه سقف ممدود، وإذا ماطلب الغناء من الجارية عزفت بأوتاره فكانت أنغامه مقام الغناء، في حين القينه عند ابن مقبل قد غنّت بصوت فيه بحّة، في حين نجد الأعشى في لوحته الثانية في غرف عالية وظل ظليل مع آلات موسيقية متعددة يصاحبها الغناء، اقتضتها طبيعة الصورة، لأنها مستمدة من الواقع الحضري ومافيه من استخدام آلات العزف المختلفة.

إن التباين بين الألفاظ والصور في شعر الأعشى وابن مقبل يمنحنا الفرصة للقول بحضرية الصورة عند الأول، وبدويتها عند الثاني، تبعًا للمعطيات الاجتماعية والبيئية التي شكلت الصياغة الفنية للوحاتهما في التباين الحاصل في تناول التفصيلات في نسغ تلك القصائد.

وقد تأثر شعر الأعشى ورقّ لفظه للأجواء اللاّهية ومجالس الشرب والغناء حتى تغنى القيان بشعره بسبب"الجرس الصوتي والموسيقي الراقصة هي التي جعلت المغنين والقيان يكثرون من غناء شعره" [1] .

على أن مجالس الشراب والغناء متفرقة في القصائد، ومجتمعة في لوحات عديدة ولشعراء عديدين قد تباينت فيها طبيعة الصورة السمعية في أهميتها وبروزها، أو تداخلها مع الصور، ومن الصور السمعية البارزة لوحة امرئ القيس، حيث جعلها نقطة مضيئة بسبب من طبيعة الشاعر الذي أراد أن يُسرّي عن نفسه المكروبة بالعزف ليعلو صوت المزهر على صوت الجيش لكثرته:

وإنْ أُمسي مكروبًا فياربّ قينةٍ

مُنَعَّمَةٍ أعملتُها بِكِرانِ

لها مزهرٌ يعلو الخميسَ بصوتِهِ

(1) القيان والغناء في العصر الجاهلي: 246، وانظر: 247، 249، 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت