فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 337

وجاءت الصورة السمعية عند حسان بن ثابت أيضًا مرتبطة حتى تكاد تحسبها مهملة، فمجلسه كان في الحانوت مع ندمان له يقضون اللذاذات من لهو وإسماع، ولابد للمجلس أن تنبثق منه أصوات مختلفة، بيد أن الشاعر قد كثفها وحصرها في زاوية حتى تكاد مهملة إذ لم يفصل تلك اللمحة، وإنما اكتفى بلفظتي (الندمان، وإسماع) ، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة المكان ووقت الشاعر وطبيعة الصورة التي لم تعن إلا بالوصف والتشبيه الذي يخص الخمر، لأن غرض الشاعر التسرية بشربه:

وقد غَدوتُ إلى الحانوت يصحبني

منْ عاتقٍ مثلِ عينِ الديك شعشاعِ

تغدو عليَّ وندماني لِمِرْفَقِهِ

نقضي اللذاذاتِ مِنْ لهوٍ وأسماعِ [1]

وتكاد تكون الصورة السمعية مستقلة عند علقمة الفحل، حيث صوت المزهر، وانصرف بعد ذلك إلى القوم ووصف الخمر، وتعداد مزاياها حتى تكاد تحسب الصورة السمعية مستقلة، بسبب طبيعة الشاعر الذي يميل إلى الخمر دون الغناء والعزف:

قد أشهدُ الشَّرْبَ فيهم مِزهرٌ رَنمٌ

والقوم تصرعهم صهباءُ خرطومُ [2]

ولنا أن نتأمل الصورة السمعية وسلطان الحواس في موضوع الاغتراب النفسي من خلال النداء، سواء أكان بالحرف، أم اللفظ الصريح، أم المخفي، لنتعرف على مكانة الصورة السمعية من الصورة الحسية الأخر وسبب ذلك، عبر ثنائية الصورة الحسية (السمع والبصر) أو عبر تعددها لتشمل جميع الحواس.

فمن صور الاغتراب النفسي ومن خلال الرثاء عبر ثنائية الصورة الحسية في بيتين اجتمعت فيهما حاستا (السمع والبصر) قال المهلهل:

ياخليليَّ ناديا لي كُليبًا

عَلَّ صوتًا يكون مُتاحا

ياخليليَّ ناديا لي كُليبًا

قبل أنْ تُبْصِرَ العيونُ الصَّباحا [3]

(1) حسان بن ثابت: 312. العاتق: الخمر القديمة. مثل عين الديك: صافية الشعشاع: الممزوجة.

(2) ديوانه: ق2/68. الرنم: المصوّت، المترنم. الصهباء، منْ أسماء الخمر. الخرطوم: أول خروجها من الدّن.

(3) المهلهل: 223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت