فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 337

بدأ الشاعر بـ (يا) النداء متدرجًا إلى لفظة النداء الصريحة، فهو نداء سريع في إطار الرثاء والندب، إذ لايملك الشاعر إلاّ أنْ يطلب كليبًا، ويتمنى أنْ يُلَبّى نداءه (علَّ صوتا) فحقق بذلك صورة سمعية.

ويتكرر نداؤه عبر الصورة السمعية المقترنة بالصورة البصرية (أن تبصر العيون الصباح) ، أي في الوقت الذي ندب فيه المهلهل كليبًا كان الليل الذي يبدو فيه الشاعر قد تعرض لنكران زوجه له لمّا رأته كاسف اللون، لايطيق المزاح، فتساوقت الصورتان السمعية والبصرية في إبراز حالة التأزم النفيس، والإحساس بالغربة الذي سببّهُ فقدان أخيهن ومايلاقيه من زوجه، فانبثقت الصورة السمعية الحادة لتبديد وحشته، وأعقبها بالصورة البصرية المتمثلة بسواد الليل، والضيق الذي يعانيه، فحضور كليب هو الصباح في نظره، وبالتالي انفراج الأزمة، على أن الصورة السمعية كانت البارزة لطبيعة الموضوع، وأزمة الشاعر النفسية واغترابه، وتميز الأداء الصوتي.

وفي إطار الرثاء شكّلت الخنساء صورة سمعية يعلو فيها صوت مشاعرها تجاه أخيها صخر، معبّرة عن آلامها لفقده، ومثّله ينعى ويبكى عليه، وينطلق الدعاء باللعنة على من يعذلها في ذلك، فالاغتراب بالنفسي نسمعه من خلال رثائها حيث تقول:

لقد صوّتَ النّاعي بفقد أخي الندى

نداءً لعَمري لا أَبالَكَ يُسْمَعُ

فَمَنْ لِقرى الأضياف بعدكَ إنْ هُمُ

فِناءَكَ حلّوا ثُمَّ نادوا فأَسمعوا

ومَنْ لجليسٍ مُفْحشٍ لجليسهِ

عليهِ بجهلٍ جاهدًا يَتَسَرَّعُ

دعوتُ لها صَخْرَ النَّدى فوجدتهُ

لها يَسَرًا يُجلى به العُسْرُ أَجْمَعُ [1]

نجد الألم يعتصر قلبها منذ أن صوّت الناعي بفقد صخر، ويشتد الحزن مع تكرار النداء، والقسم، والاستفهام، فضلًا عن الصورة السمعية غير المباشرة المتمثلة بالمجالس ومايدور فيها من كلام، وخاصة الكلام الفاحش من جليس لجليسه، يفض فيه النزاع صخر.

(1) الخنساء: 159-160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت