فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 337

فأثر الاغتراب النفسي واضح على الخنساء لفقدها أخيها التي كانت مزهوّة به ومفتخرة، وإنْ كنّا نجد صورًا ذوقية ولمسية وبصرية، إلاّ أن الصورة السمعية التي تخللت نسيج الأبيات وترابطت مع الصور الحسية المختلفة، كانت هي البارزة بتأثير الموضوع (الرثاء) الذي يدل على صدق المشاعر تجاه الفقيد، ومثل صخر ينعى علنًا ويبكى عليه، وهو المعوّل في الشدائد، وقرى الأضياف، وحل المنازعات حتى أن الضيوف أسمعوا صخرًا صوتهم عندما حلوا في فناء الدار، تلك الصفات لابد أنْ تجهر بها الخنساء، وكانت الصور سانحة للأذن أنْ تشكلها عند سماعها بما فيها من مشاعر الأخت الباكية الملتاعة، ومع كل لفظة تنطقها يتدفق الحزن والألم الممتزج بالفخر.

فتصوير الحالة عبر السماع جاء مشحونًا بالأصوات، والتوتر النفسي، لأن صخرًا ليس شخصًا عاديًا لديها، بل كان يملأ عليها وجودها، وما تعداد محاسنه ومآثره إلا للتعويض عن إحساسها بفقده أولًا، وليبقى حديثًا لها وللناس ثانيًا.

وينطلق حاتم الطائي من حالة نفسية متأزمة، مثقلة بذل الغربة بسبب الابتعاد عن الأهل والوطن:

لَشِعْبٌ مِنَ الريَّانِ أَمْلَكُ بابَهُ

أنادي به آل الكبيرِ وجعفرا

أَحَبُّ إليَّ منْ خطيبٍ رأيته

إذا قلتُ معروفًا تَبَدَّلَ مُنْكَرا [1]

استخدم الشاعر لفظة (أنادي) منَ النداء، والخطيب الذي يمثّل الكلام أو الصوت، وكذلك القول، لتشكيل الصورة السمعية التي برزت بشكل لافت للسمع بالرغم من وجود الصورتين البصرية واللمسية، فالشاعر يرفض المُلْكَ الواسع مع ذلك الغربة الذي مثّل له بوجود الخطيب الذي يراه الناس ويسمعون صوته، ولكنه يغيّر الحقائق، حيث يجعل قول المعروف منكرًا، فالشاعر يرضى بالشيء، اليسير القليل الصغير في موطنه الذي مثّله بـ (الباب) ينادي به قومه، وإن كانوا لايرونه أو يسمعونه لهو أحب إليه من السعة مع المذلة.

أراني لَدُنْ أنْ غابَ قومي كأنما

(1) ديوانه: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت