فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 337

يَراني فيهم طالبُ الحقِ أرنبا

دعا قومَهُ حولي فجاؤوا لنصرِهِ

وناديتُ قومًا بالمُسَنّاةِ غُبَّبا [1]

ينطلق الأعشى من الاغتراب المكاني -النفسي، ومايعانيه المغترب من ألم، فيشكّل صورة بصرية سمعية، فهو يشكو من هوان أمره لغياب قومه عنه حتى غدا أرنبًا في نظر الآخرين لكونه غريبًا، وحين دعا الباحث عن الحق قومه، فنصروه، وحين نادى الأعشى قومه لم ينصره أحد لاغترابه عنهم، فتساوقت البصرية والسمعية وتعاونا على إبراز حالة الاغتراب الحادة للشاعر وتأثير ذلك عليه، على أن الصورة السمعية بارزة ولها موقعها.

وفي مجال الاغتراب من نوع آخر، هو الشعور بالغربة من الموت، والتمسك بالحياة، ويمكن أن يكون هذا الاغتراب في تضاد (الحياة- الموت) ، أي مادام كل شيء للفناء، وأن الحياة لابد زائلة، ومادام الخلود غير ممكن فإن الغربة قائمة مادامت المنية دائمة، ولهذا نجد منَ الشعراء من ينطلق في الحياة بما ملكت يداه، وبهذا الصدد قال طرفةُ بن العبد:

فإنْ كنتَ لاتستطيع دَفْعَ مَنيّتي

فَذَرْني أبادِرْها بما ملكتْ يَدي

فلولا ثلاثٌ هنَّ مِنْ حاجةِ الفتى

وَجَدِّكَ لم أَحفلْ متى قامَ عُودَّي

فمنهن سبقي العاذلاتِ بِشَربَةٍ

كُمَيْتٍ متى ماتُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ

وكرّي إذا نادى المضاف مُحَنَّبًَا

كِسيدِ الغَضا نَبَّهتْهُ المَتَورِدِ

وتقصيرُ يومِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ

ببهكنة تحتَ الطِّرافِ الممددِ [2]

(1) الأعشى: ق14/115.

(2) ديوانه: 28-29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت