فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 337

يغور الشاعر عميقًا في نسيج أبياته من خلال الزمن الذي يجري، وقد استقى منه تجربته هذه عبر ثنائية التضاد (الوجود- الفناء) ، حيث ينقلب الإنسان إلى الحسيّة لأنه يدرك عدم السيطرة على الزمن، بل استحالة الإمساك به، فهو منفلت دائمًا، ويؤول المصير إلى الفناء لا محالة، ومن هنا تكمن عبثية التقيد به من وجهة نظر الشاعر، ولذا نجده يصل إلى قمة التوتر في استكناه تفاصيل حسية تثري الاحتدام النفسي في أعماقه، وتستجيب لزخم انفعالاته الحادة في اتجاه معاكس للفناء.

ومن هنا فإن نظرة طرفة للوجود نظرة مقبلة على الحياة للتمتع بلذاذاتها طالما ليس باستطاعة أحد دفع منيّته، ولذلك انطلق في لوحته قائلًا:

فإن كنت لاتستطيع دفع منيتي

فذرني أبادِرْها بما مَلَكَتْ يدي

تضمن هذا البيت (أصواتًا) داخلية وخارجية في أعماقه، خرجت إلى لفظة (ذرني) أدركتها حاسة السمع، وانتقلت بها إلى حاسة اللمس (بما ملكت يدي) التي أفضتْ إلى صورتين، السمعية (العاذلات) ، والذوقية (بشربة) أراد بها الخمر، وهي حمراء تميل إلى الكلفة (بصرية) تزاد بالماء، فيعلو الحباب (لمسية) ، وتلك الصور الحسية اجتمعت في بيت شعري واحد، وهي تفاصيل استدعاها الخمر ومايتصل به من تقاليد شائعة، ومما ملكت يده: (كَرُّه) إذا (صوّت) الذي التجأ إليه (نادى) بعد أنْ أحاط به الأعداء (صورة سمعية) مثل ذئب الغضا يطلب الورد (ذوقية) .

وطالما لم يتمكن من الإمساك بالزمن، وتمتعه بما ذكر لنا، فهو يقصّر يوم الدجن، كما يوم الندى واللهو، فهو وليلته قصيران يقطعهما باللهو والسرور والحسناء في بيت من أدم.

فالزمن المنهزم هنا يتمثل بيوم الدجن، بنهاره وليله (صورة بصرية) ، والسرور واللهو تشترك فيه الحواس المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت