فهرس الكتاب
وما موقف طرفة هنا إلاّ رد فعل لتجاوز الفناء، عبر لحظة مواجهة له، فانثالت تلك الصور المتعددة في انسياب وزخم انفعاليين يعكسان واقعه للتغلب على حالة الرعب التي سيطرت عليه، وبالرغم من بروز الصورة السمعية لطبيعة الموضوع ومايتطلبه الموقف البطولي الذي يفتخر به الشاعر، فإن لسلطان الحواس أثرًا رئيسًا في تشكيل الصورة العامة.
وإذا ما انتقلنا إلى موضوع آخر حيث حديث الذكريات توظيف امرئ القيس للحواس في صوره المتعددة في إطار من الحوار الذي ساد الأبيات، ليوضح لنا حالته مع فتاته ومعاناته في لقائها ومحادثتها، لنتبين بعد ذلك موقع الصورة الحسية المتعددة، قال امرؤ القيس:
سَمَوتُ إليها بعدَما نامَ أهْلُها
سُمُوَّ حَبابِ الماءِ حالًا على حالِ
فقالتْ سبَاكَ الله إنّكَ فاضحي
ألستَ ترى السُّمَارَ والناسَ أَحوالي
فقلتُ يَمينُ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا
ولو قَطَّعوا رأسي لديكِ وأوصالي
حَلَفْتُ لها باللهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ
لناموا فما أنْ مِنْ حديثٍ ولا صالِ
فَلَمّا تنازعنا الحديثَ وأَسْمَحَتْ
هَصَرْتُ بغصنٍ ذي شَماريخَ ميَّالِ
وصرنا إلى الحُسنى وَرَقَّ كلامُنا
ورضتُ فَذَلَّتْ صعبةً أيَّ إذلالِ [1]
منذ البدء استخدم الشاعر الصورة اللمسية عند نهوضه من مكانه إليها في حذر، وشيئًا بعد شيء كي لايشعر به أحد، مثل حباب الماء الذي يعلو بعضه بعضًا في ملامسة رقيقة وعلى مهل، وبعد أن مسَّ أهلها النوم:
سموتُ إليها بعدما نامَ أهلُها
سموَّ حَبابِ الماء حالًا على حالِ [2]
بعد أنْ مّهدَ الشاعر للّقاء، بخطوته الأولى عبر الصورة اللمسية، استدعى الموقف الصورة السمعية (فقالت) مع الاستفهام (ألَسْتَ) المقترنة بالصورة البصرية:
فقالت: سباكَ الله إنّكَ فاضحي
الستَ تَرى السّمارَ والناسَ أَحوالِ [3]
(1) ديوانه: ق2/20-25/31-32.
(2) امرؤ القيس: ق2/20-25/31-32.
(3) المصدر السابق: ق2/20-25-31-32.