فهرس الكتاب
ويعلم الجميع أنَّ تلك الحلي لا تفيد الملدوغ، وقد تعالت أصوات المعوذين (سمعية) وأقوالهم المتعددة بشفائه، وما يطلقون من كلام يشبه نفثات السِّحر، والحيّة طبعًا لا تسمع تلك الأقوال، والألم يترك اللديغ ثم يراجعه كأنهُ زوجٌ يُطَلّق زوجه ويراجعها:
تَناذَرها الراقونَ مِنْ سوءِ سَمْعها
تُطَلِّقُهُ طورًا وطورًا تُراجِعُ [1]
إنَّ الصورة السمعية وإنْ جاءت متداخلة مع الصور الحسية المختلفة، إلاّ أنها كانت بارزة لطبيعة الحالة التي تتطلب تشكيل الصورة السمعية، ولا نغفل الصور الحسية التي أدّت أساسًا إلى تشكيل الصورة السمعية.
الصور التي تعرضنا لها هي حصيلة المدركات الحسية التي شاركت في إيضاح حالة النابغة التي أثَّر فيها وعيد أبي قابوس، ممّا كشف الشاعر عن حالته النفسية السيئة، بعد أن تلاشى حلمه، وكاد يطل على عالم الفناء من خلال سرده لحالة اللديغ.
وفي موضوعة الاعتذار نتناول أنموذجًا آخر للنابغة الذبياني لنتعرف على طبيعة وجود الصورة السمعية من الصور الحسية، قال النابغة:
أَتاني أَبَيْتُ اللَّعنَ أنكَ لمتني
وتلك التي أهتمُّ منها وأَنْصَبُ
فَبتُّ كأنَّ العائداتِ فَرَشْنَ لي
هَراسًا بهِ يُعلى فِراشي وَيُقْشَبُ
حلفتُ فلم أتركْ لنفسكَ ريبةً
وليسَ وراءَ اللهِ للمرء مَذْهَبُ
لَئِنْ كُنتَ قد بُلِّغْتَ عنّي خِيانَةً
لمبلِغُكَ الواشي أَغَشُّ وأَكْذَبُ [2]
(1) النابغة الذبياني: 164. وورد (تناذرها الراقون من سوء سعها) ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2: 34.
(2) النابغة الذبياني: 54.