فهرس الكتاب
إنَ الصورة السمعية على بساطتها قد برزت على غيرها من الصور الحسيّة البارزة والمخفية، البصرية، و (اللمسية) في ظاهرها (القوارص) التي تعني الكلام الجارح، وفي أنموذج آخر للشاعر نفسه يعتذر فيه للمنذر أمير الحيرة نجد الصورة السمعية قد طغت على الصور الحسية، البصرية واللمسية. لن صورة الانطلاق الأولى سمعية أدّت إلى أنْ تحتل الصورة السمعية موقعها البارز:
فأهلي فداؤك مستعتبًا
عتبتَ فصدّقتَ فيَّ المقالا
أتاكَ عَدوٌّ فصدّقتَهُ
فهلا نظرتَ هُديتَ السؤالا
فما قلت: مانطقوا باطلًا
ولا كنت أرهبه أنْ يُقالا
فإنْ كان حَقًّا كما خبّروا
فلا وصلتْ لي يمينٌ شمالا [1]
ومما تقدم نجد أن ورود الصورة السمعية واتضاح مدى استخدامها بين الصور الأخر، وبروزها وعدم بروزها في نماذج الاعتذار إنّما يعود إلى نقطة انطلاق الشاعر، وزاوية النظر التي ابتدأ منها في إعلان القطيعة، متعرضًا إلى أسبابها فتتشكل الصورة الأولى، فهي التي تُحدّد الصور الحسية اللاحقة وكثرتها أو قلّتها وموقعها في اللوحة، ويضمنها الصورة السمعية، علمًا أنَّ نماذج الاعتذار لا تخلو من الصور السمعية وإنْ كانت مترددة لا تتعدى ألفاظ الأداء السمعي.
وفي مجال الكرم والفروسية قال حاتم الطائي:
وإني لأُقري الضّيفَ قبلَ سُؤالهِ
وأطعَنُ قِدْمًا والأَسِنّةُ تُرَعُفُ [2]
أتاح لنا حاتم الطائي في بيت واحد أن نطّلع على أثر الحواس في تشكيل الصورة، حيث يروم من خلالها أن يثبت كرمه وشجاعته.
فقرى الضيف (صورة ذوقية) ، وقبل سؤاله (سمعية) ، والطعن من شيمه لإثبات فروسيته (صورة لمسية) ، حتى لنجد الأسنة تسيل منها الدماء (بصرية- لمسية) .
(1) المصدر السابق: ق15/71، على أن النابغة قد أخذ بيته من عمرو بن قميئة قال عمرو: ... فلا وصلتْ لي يمينٌ شمالا
0@فإن كان حقًّا كما خبروا
وقال النابغة: 205:
ولو كفّي اليمين بَغَتْكَ خونًا ... لأفردتُ اليمينَ عَنِ الشِّمالِ
(2) ديوانه: 37.