فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 337

ويعطف على ذلك بصورة سمعية (لا يسمع الدهر مثلبة وعارا) بصورة لمسية (إلا كشفت غطاءها) . من فنيّة الصورة البصرية، والابتداء بها، إلاّ أن الصورة السمعية ظلت بارزة، لقدرة الشاعر الفنية، وطبيعة الصورة الشعرية، وطبيعة الموضوع.

ونسمع صورة العذل ونتعرف على موقعها من الصور الحسية المختلفة، قال تأبط شرًا:

يامَنْ لِعذّالةٍ خَذّالةٍ أَشِبِ

حَرَّقَ باللوم جلدي أيَّ تَحراقِ [1]

يدل البيت على الشكوى بدلالة أصوات (العذّالة، واللّوام، والنداء، والاستفهام المتضمن إظهار التألم والتوجع، والعجز عن دفع العذّال، وأيّ التعجب لتشكيل الصورة السمعية.

كما يتضمن صفة الأشب المختلط الذي لايستقر على رأي، أي الحركة الدالة على عدم الثبات على قصد، فهو خذّال.

على أن الصورة اللمسية تمثلت في (حرّق جلدي) فجعل اللوم (صورة سمعية) بدلًا من النار، أي جعله يحرق بلسانه، فقد أسبغ الشاعر على الصورة جمالًا ولتكون أعمق وقعًا، وأكثر عمقًا، وأبلغ صياغة، فضلًا عن صيغة التضعيف التي تفيد التكثير والمبالغة.

إن الصورة اللمسية المتمثلة بالحرق من الداخل (القلب) وصولًا إلى الجلد قد عمّق الصورة السمعية وأوضحها في تحقيق التحسس بها حيث تؤثر على نبضات القلب وبالتالي لم يعد يسمع تلك النبضات، على أننا لانعدم وجود السمعية في (حرّق الجلد) أوحى بها الشاعر لأن الحرق باللسان الجارح أعظم من حرق الجلد الظاهري، وقد تميّزت الصور وبضمنها السمعية لطبيعة الموضوع، وإنْ بدا ظاهريًا أنها متداخلة مع الصورة اللمسية.

وفي مجال العذل واللوم قال أوس بن حجر:

هَبَّتْ تلومُ وليستْ ساعةَ اللاّحي

هلاّ انتظرتِ بهذا اللومِ إصباحي

إنْ أشرب الخمرَ أو أُرْزأ لها ثَمنًَا

فلا محالةَ يومًا أنّني صاحي

ولا محالةَ منْ قبرٍ بِمَحْنِيَةٍ

(1) ديوانه: ق21/140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت