فهرس الكتاب
إن الأصوات النابعة من الشعر الجيد الجميل تؤثر فينا، ويتضح تأثيرها في المعنى الموحى به عبر الصوت المموسق، حيث يتكثف المعنى، فنجده عبر إيحاء الجرس الموسيقي للفظة، أو في معناها الواضح تارة، وفي معناها الخفي تارة ثانية، إذ إن لحاسة السمع قوة في التقاط الأصوات المتمثلة بالألفاظ عند نطقها لتكوين الصورة السمعية، فضلًا عن الحركة التي توحي بها الصورة، ونحس بها منتشرة في مفاصل الشعر بما توحيه الأصوات من معان تدل عليها، أو بما تشكله الأفعال والحركة التي لابد لها مِنْ أن توحي بإضافةٍ ما، يبرع فيها الشاعر، ويحرص على إيصالها عبر صورة صوتية تلتقطها أسماعنا.
وللألفاظ أهمية لايمكن الاستغناء عنها في دلالتنا إلى المعنى وتشكيل الصور المختلفة بما فيها السمعية، وبهذا الصدد قال ابن الأثير:"إنَّ الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص منَ البشر" [1] .
والألفاظ الموحية تتحدد بموجبها العلاقات التي تقود إلى الصورة السمعية
لأن"الصوت في معظم الحالات هو مفتاح التأثيرات الأخرى في الشعر" [2] .
ومن الإيحاء مايكون في لفظة واحدة مفردة أو لفظتين في أكثر من موضوع، مع اختلاف الصورة ودلالة الصوت فضلًا عن الموسيقى العامة الخارجية والداخلية.
يجتهد الشاعر في إظهار قدرته الإبداعية عبر نقله حالة قطاة تشكو العطش دون الإشارة إلى الشكوى، وتشرب مافضل من الإنسان، والمعروف عنها أنها أسرع الطيور وِرْدًا للماء، فقد سرت لترد الماء، وجوانبها تصوّت ليبسها، إذْ أورد الشاعر لفظة (تتصلصل) وهي لفظة مضعفة مكررة، وبمجرد سماعها أوحى جرسها بمعناها، حيث تشكلت الصورة السمعية من الحركة والأحناء المصوّتة ليُبْسها، حيث قال الشاعر:
وتشربُ أسآرى القَطا الكدْرَ بعدما
سَرَتْ قَرَبًا أحناؤُها تَتَصَلْصَلُ [3]
(1) المثل السائر: 1/252.
(2) مبادئ النقد الأدبي: 192.
(3) الشنفرى: لامية العرب: 47.