فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 337

إن الألفاظ هنا نسجت هذا البيت الشعري الجميل، وهي التي أثارت المعنى المكثّف المنبئ عن العطش، وهو الشعر المطبوع على الإيحاء، يكمن في ذاته جمال الصورة، ولذا قيل:"من المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيلَ بعد الطلب له... كان نيله أحلى وبالميزة أَوْلى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف" [1] .

وقد تكمن قدرة النص على الإيحاء، واكتشاف الطاقة الشعرية عبر النسيج الشعري، وماتتيحه الألفاظ من تشكيل للصورة من خلال الحركة والفعل، أومن خلال الحركة والفعل والصوت.

حيث تمنحنا معطيات التجربة الشعرية في إطار التشكيل الحسي كدلالات للألفاظ توحي بالصورة السمعية المطلوبة.

وقد استخدم الأعشى (الصلصة) أي رنين الخلخال لحالةٍ ثانية:

وساقانِ مارَ اللّحمُ مَوْرًا عليهما

إلى منتهى خَلْخالِها المُتَصَلْصِلِ [2]

حيث يقودُ الشاعر خياله إلى وصف (قتيلة) صاحبته، مستخدمًا لفظتين هما: (الخلخال) الذي يُنبئ عن صوت إذا ماحُرّك بفعل، والمتصلصل الذي نسمع صوته ورنينه، فهو يريد أنْ يشعرنا بمشيها وحركتها ورقصها عبر صورة سمعية أوحى لنا بها عن طريق رنين الخلخال، ومن هنا نجد اختلاف الدلالة في الصورة السمعية بين استخدامي الشاعرين، فالدلالة الأولى كانت لصوت الأحناء اليابسة للدلالة على العطش، والثانية كانت للمشي والرقص للتحسس بالجَمال، وقد برع الشاعران في استخدام الدلالتين، ووفّقا في الإيحاء السمعي عبر الصورتين، وإن كان التعبير فيهما عن الصوت واضحًا.

وفي إطار استخدام اللفظة قال سلامة بن جندل:

وَمُهْتَزِعٍ حالًا ولؤمَ خَليفةٍ

صَقَعْتُ بِشَرٍّ والأكفُّ لواقِحُ [3]

أوحى لنا بالصورة من خلال لفظة (صَقَعْتُ) التي تعني الضرب على الشيء اليابس، وغير اليابس، وماينتج عن الضرب من صوت، والمهتزع المسرع إلى اللؤم والشر، وقد جابهه الشاعر بالبطش.

(1) أسرار البلاغة: 126.

(2) الأعشى: ق77/351.

(3) ديوانه: ق5/199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت