فهرس الكتاب
نجد أن هذه الصورة قد قامت على الأفعال والحركة والصوت، مثل: لواه، أمَّه، دعا، أجابته، يتقلقل، فضلًا عن حرف القاف القوي الشديد، وقد أوحى الشاعر بالصورة السمعية في البيت الثاني بالصوت المنبثق من حركة كف المقامر لتحريك القداح، في حين كانت الصورة السمعية في عجز البيت الأول صريحة بألفاظها (دعا- فأجابته) وقد استطاع الشنفرى أن يوصل صوت بطنه الخاوية، وهو يَعْد ومُسْرِعا، كما أوحى لنا عن حالته النفسية المتأزمة، ومعاناته الشديدة حتى قرنها بالذئاب الجائعة، وأتاح لنا عبر التشبيه أيضًا تصوير نحولها بالقداح المتحركة، وما تصويره هنا إلا للتأثير في استمالة مشاعرنا نحو التعاطف مع الوحوش التي صوّرها.
وفي صورة مماثلة أوحت بالجوع قال تأبط شرا:
ووادٍ كجوفِ العيرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ
بهِ الذئبُ يعوي كالخليع المُعَيَّلِ
تَعَدّى بَزْيزازَةٍ تعجُّ مِنَ القوا
ومَنْ يكُ يبغي طُرْقَةَ اللّيلِ يُرْمِلِ
فقلتُ له لمّا عوى إِنّ ثابتًا
قليلُ الغنى إنْ كنتَ لمّا تَمَوَّلِ
كلانا إذا ما نالَ أفاتَهُ
ومَنْ يحترث حرثي وحرثَكَ يُهْزَلِ [1]
شكّل الشاعر الصور السمعية من عواء الذئب الذي يصيح في الصحراء مشبّهًا إيّاه بالمقامر كثير العيال، أو (المخلوع من القبيلة) مر على أرض غليظة تصوت ويتردد فيها الصوت لخلوها وقد قل زاده فحاوره الشاعر عندما عوى، وأخبره أن ثابتًا لا يغنيه ولا هو يغني ثابتًا، وكلاهما يطلب، ومن يطلب منا لا يدرك مراده.
(1) ديوانه، ذو الفقار: ق 28/182-1983. الخليع: المقامر، المعيل: كثير العيال، بزيزازة: الغليظة من الأرض. تعج: تصوت. القوا: الخلاء القفر. يرمل: يقل زاده، حرثي وحرثك: أي من يطلب مني ومنك شيئًا لم يدرك مراده علمًا أن البيت الثاني تعدى بزيزارة. هكذا وردت في الديوان، ولكن في إثبات التاء كسر في الوزن. ولا يستقيم الوزن إلاّ في حذفها وتصير التفعيلة (مفاعيل) بتحريك اللام.