فهرس الكتاب
أن الصورة السمعية هنا أشد وضوحًا من الصورة عند الشنفرى، وإنْ كان الشنفرى أشد إيحاء وأعلى فنية، ولكنهما أوحيا لنا بالجوع.
وقد اشترك الشاعران في تكرار الحروف، وخاصة (القاف) بالدرجة الأولى منها، والعين والحاء عند تأبط شرا لإشاعة النغم العالي، ولكنّ الشنفرى استخدم تكرار الألفاظ في البيت الأخير لاحداث الجرس الموسيقي بدلا من الصورة السمعية الصريحة لانعدامها.
على أن الصورة لذئب المرقش الأكبر تختلف عن سابقتيها، فالذئب جائع وقد أكرمه الشاعر بقطعة من الشواء [1] .
وتختلف الأساليب في الإيحاء، ففي المثالين السابقين لذئبي الشنفرى وتأبط شرا، ذكر الشاعران المعنى الموحى به (الجوع) ، وقد عكس بعض الشعراء الأمر فذكروا لنا الجوع، وأوحوا لنا بصوته وحركته:
فإنْ خَفَّتْ لجوعِ البطن رجلي
فَدقّ اللهُ رِجلي بالمعاصي [2]
شمل الإيحاء في هذا البيت حركة الرجل، وأصوات تنقلّها المستمدة من جوع البطن التي تسمع أصواتها، فالحركة جاءت نتيجة لصوت الجوع، حتى نجده يتألم من وجع في رجله من كثرة المشي، وإن الأصوات المنبعثة هنا من النص توحي بها الأفعال والحركات، وقد تتضاعف تبعًا للألفاظ التي كثفت المعنى عبر إيقاعاتها الداخلية المشحونة بإيحاءاتها.
وقد ينبثق الصوت أحيانًا من الفعل المعبر عن تصويت الجوع في البطن، كالفعل (يختفق) حيث يصف الشاعر جائعًا تحرّك أفعوان بطنه، قال الحطيئة:
شامَ نارًا باللّوى اقتدحَتْ
وشجاع البطن يَخْتَفِقُ [3]
أما فيما يتعلق بالصورة السمعية الإيحائية المعبّرة عن الحركة والصلابة، فقد أوحى بهما الشنفرى من خلال قوله:
إذا الأمعزُ الصوّان لاقى مناسمي
تطايَرَ منهُ قادِحٌ وَمْقَلَّلُ [4]
(1) المرقش الأكبر: ق3/876-877.
(2) عبيد بن الأبرص: ق30/78 معصت رجله معاصا: أصابه التواء في عصب رجله، أو وجع من كثرة المشي.
(3) الأشباه والنظائر: 1/129، وينظر شعر قيس بن زهير: 7.
(4) لامية العرب: 42.