فهرس الكتاب
إذْ أوحى الشاعر بالمعنى الخفي والصوت الكامن في ذلك الخفاء، لندركه بأنفسنا، ونستنتجه بإحساسنا، ونلتقط بآذاننا الصورة السمعية فيه.
وقد تباينت الصور السمعية الإيحائية من شاعر لآخر تبعًا للفكرة التي يعالجها الشاعر وإنْ كانت في إطار حيوان معيّن، ففي صورة الأعشى نجد ثور الوحش قد أهزله الجوع، وأفزعتُ السحابة الراعدة، ولم ينم ليلة كأنه كان متوجسًا من الصائد ومطاردة كلابه له لاقتناصه وقد عضها الجوع، تلك المعاناة كلها والمخاوف جفّلته من الرعد، وقد خرج متوجعًا كتوجع الناقة عند المخاض.
وَصَوَّرَ لبيد مبيت الثور يدير قرنه حالًا بعد حال، واستعداده وحركته الدائمة لمواجهة هجوم الضواري له من الكلاب، تلك الحركات وما يصاحبها من صوت هي مثل جلد السيف، ولا بد للجلي منْ إحداث صوت.
ونجد في (الزئير) الصوت الصريح دلالة إيقاعية على الصورة السمعية، توّخي الشعراء من خلالها الإيحاء بالقوة الشديدة، وقد أوحى المهلهل بقوة الأعداء، وشدة بطشهم عبر (الزئير) وليس عدلًا من أخيه كليب أن يترك قومه لبطش الأعداء، قال المهلهل:
على أنْ ليسَ عدلًا مِنْ كُليبٍ
إذا ما الأسُد صالَتْ بالزَّئيرِ [1]
وقال المهلهل أيضًا مستخدمًا الإيحاء نفسه، ولكن في معنى آخر، حيث أوحى لنا بأن بني الشقيقة هم الأبطال الأقوياء، وقد تآزروا ولجّوا في الزئير لتخويف الأعداء:
فدىً لِبنَى الشقيقةِ يومَ جاؤوا
كأُسْدِ الغابِ لجّتْ في الزئيرِ [2]
وقد أوحى لنا النابغة بالخوف هربًا من النعمام، ناعتًا إيّاه بالأسد، مسوّغًا الهرب بن لا يمكن للإنسان أن يقر في مكان يسمع به زئير الأسد، وإن الوعيد بقوته مثل الزئير:
أُنْبئِتُ أنّ أبا قابوس أوعدني
(1) المهلهل: 261.
(2) المهلهل: 262، بشر بن أبي خازم: ق17/20/93، ق46/24/224 عروة بن الورد: 62 الأسود بن يعفر: 25/1/36، النابغة الذبياني: 87، زهير بن أبي سلمى: ق37/4/245، الخنساء: 71.