فهرس الكتاب
ففي مجال الوصف وبخاصة وصف الفرس نقلنا امرؤ القيس خلال الإيحاء الصوتي إلى صورة سمعية، حينما وصف جواده عبر الحركة الشديدة بدقة، مثل سقوط الصخر الذي يقذفه السّيل منْ أعالي الجبال حتى لكأننا نسمع صوته:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مقبلٍ مُدْبرٍ معًا
كجلمودِ صخرٍ حَطَّهُ السّيلُ مِنْ عَلِ [1]
وبالرغم من اعتماده التشبيه في جعل صلابة الفرس وصلابة حافره بالجلمود، فقد استطاع أن يوظف ذلك ببراعة، والكشف عن المدلولات النفسية باستدعاء الصلابة والحركة في توظيف غير مباشر، موحيًا بالصورة السمعية من خلال استخدام المفردات القادرة على الوصول إلى تحقيق الهدف، فضلًا عن الكشف عن معطيات الظروف الاجتماعية والبيئية التي امدّت النص بملاحظات دقيقة عبر انتقالها، حيث سنحت الفرصة لاستخدامها بوعي لإحداث التأثير المطلوب، فالإيحاء السمعي، إيحاء مركّب هنا لأنه عبّر عن صوت حركة الجواد، وصوت تدحرج الصخر.
وفي وصف الحركة السريعة، وتشكيل الصورة ذات الإيحاء السمعي قال امرؤ القيس:
سَبوحًا جموحًا وإحضارُها
كمعمعةِ السَّعَفِ المُوقَدِ [2]
بالرغم من التنبيه الذي استخدمه الشاعر لحكة الفرس في عَدْوِها وسرعتها بمعمعة السعف المشتعل، فالشاعر أوحى لنا بصورة سمعية خفية امتدتْ من صوت سرعة الفَرَس في عدّوها، إلى صوت لهيب النار الذي شبّ بالضرام في السعف الموقد، حيث جمع صورتين سمعيتين إيحائيتين، على أن الدلالات الصوتية في الألفاظ المختلفة قد تباينت في رخاوتها وشدّتها، فالسين في (سبوح) و (السعف) قد عبّرت عن خفة (الفَرَس) التي تسبح لاختلاف السبح عن العَدْ وكحالةِ السعف لضعفه أمام النار التي تلتهمه.
غير أننا نجد القوة في صوت (جيم) جموح، وهي على وجه السرعة، أي الفَرَس تذهب على وجهها، وكذلك القوة صوتي (العين والميم) من (معمعة) فأوحى لنا الشاعر بالمعنى عبر صورة سمعية إيحائية.
(1) امرؤ القيس: ق1/19.
(2) امرؤ القيس: ق31/187.