فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 337

فالشاعر صوّر لنا صوت الحجارة مثل صوت الدراهم المزيفة الرديئة لكثرة نحاسها فهي أشد صوتًا من الدراهم الصحيحة، وإيحاؤه بالسرعة جاء نتيجة قوة راحلته وسرعتها بحيث تتطاير الحجارة وتصوّت جراء وقوع بعضها على بعض مثل صوت الدراهم الزيوف التي ينتقدها الصيرف.

فالصورة السمعية التي أوحى لنا بها تدل على رغبته الملحّة السريعة في الوصول إلى من سيشاركه في قتال أعدائه (لترفهِ وفضلهِ) من خلال سرعة الناقة وقوتها.

وأوحى لنا الأعشى بصورة سمعية تنبيء عن حالته النفسية، وقد نفذ صبره، مستخدمًا (التنقاد) للإيحاء السمعي:

دراهِمْنا كُلُّها جَيِّدٌ

فلا تَحْبسَنّا بِتَنْقادِها [1]

صور لنا (النقّاد) يسمع ) (رنين) العملة الصادقة الصحيحة ليميزها من الرديئة المغشوشة، فضلًا عن أن لفظة (تنقاد) توحي بالقوة النابعة من صلابتها، ورنّة الصدق في العملة.

والنقاد عادة يحتاج إلى وقت وسماع، ولذلك نفذ صبر الشاعر، فالتجأ إلى طلب السرعة للإفادة من الوقت، فيصيح: دراهمنا كلّها جيّدة، ليست بحاجة لنقدها وتفحصها، فيجتمع صوتان، صوت الشاعر، وصوت الدراهم في مجال الصورة السمعية الإيحائية.

وفي موضوع الرثاء قال النابغة الذبياني مصوّرًا ما أصاب الناس من هول بموت حصن بن حذيفة عبر صورة سمعية إيحائية مع تأثيراتها النفسية:

يقولونَ"حِصْنٌ"ثم تأبى نُفُوسّهم

وكيف بحصنٍ والجبالُ جُنوحُ

ولم تلفظِ الموتى القبوُر، ولم تَزَلْ

نجومُ السماءِ، والأديمُ صَحيحُ

فَعمّا قليلٍ ثم جاءَ نَعِيّهُ

فباتَ نَدُّي القوم وهو يَنوحُ [2]

إن الناس ينطقون باسم (حصن) بقصد نعيه، فلا يقدرون على إكمال كلامهم للعبرة التي تخنقهم، وتأبى نفوسهم وأفواههم إكماله.

(1) الأعشى: ق8/71.

(2) النابغة الذبياني: 78، جُنوح مثل قعود، جنحت: إذا بركت الناقة تميل على أحد شقيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت