فهرس الكتاب
ويضعنا أمام تساؤل مبالغ فيه، كيف يهلك حصن، ولا تندك الجبال بهلكه، ولا تنشق الأرض، ولا تزول نجوم السماء، ولا يتصدع أديم السماء فالحالة النفسية تتراءى من وراء هذه الصور الإيحائية الدالة على هول الموقف، دون تصريح، وفي هذا يكتسب الإيحاء قوة فنية تقرّبه من قوة الدلالة الموضوعية..." [1] ."
وللتعبير عن موقف، وحالة للكرم تتعلق بالشخص نفسه (حصن بن حذيفة الفزاري) الذي رثاه النابغة الذبياني، صوّر لنا زهير بن أبي سُلمى كرم الممدوح بصورٍ إيحائية منها الصورة السمعية:
بَكَرْتُ عليهِ غُدَوةً فوجدتُهُ
قعودًا لديهِ بالصّريمِ عواذِلُهْ
يُفَدِّينَهُ طورًا، وطورًا يَلُمْنَهُ
وأعيا فما يَدرينَ أينَ مَخاتِلُهْ
فَأَقْصَرْنَ منه عنْ كريمٍ مُرّزأً
عزومٍ على الأمرِ الذي هو فاعِلُهْ [2]
أوحى لنا الشاعر بكرم ممدوحه عن طريق قعود العواذل لديه، واللوم مستمر على مابدر منه في تبذير الأموال، حيث بَيْدَ أنْ بالملاينة والبحث عن سبل للخديعة عن طريق تفديته بالقول (نحن نفديك) حتى إذا مال إليهن بدأنّ بالعذل ليتقبل ذلك منهن، وبالرغم من ذلك، كله فهو لم يستجب لهن ولم يكف عن الكرم، وإنما كان عزومًا على فعل أمرٍ يروم تنفيذه.
وقد عبرّ الشاعر عن كرم الممدوح بفنّيةٍ عالية، وبإيحاء يمثّل براعة زهير وقدرته على الصياغة الشعرية الجيدة.
وفي موضوع النسيب والغزل، وعبر استذكار الماضي يسُمعنا الشاعر صورة إيحائية تمثّل الرقّة والمتعة والصوت الهادئ، وهي ذكريات يشعر بلذّتها، قال زهير بن أبي سلمى:
(1) النقد الأدبي الحديث، غنيمي: 454.
(2) ديوانه: ق3/56- 578. الغدوة: البكور، وهو ما بين الفجر والشروق.
الصريم: جمع صريبة وهي رملة تنقطع من معظم الرمل. اقصرن: وليّنَ وكففنَ عن عذله: المرزا: المصاب بماله كثيرًا.