فهرس الكتاب
بيد أن الشعر بالرغم من ذلك كان يدرس ويقرأ لأنه محتاج إلى السماع [1] ولا يمكننا أن نغض الطرف عن العصور اللاحقة منذ العصر الإسلامي حتى عصرنا الحاضر، من أن الموضوعات وأشكال التعبير المتمثلة بالأجناس الأدبية، والدلالات السمعية والإيقاعية قد تعرضت للتغيير تبعًا للمؤثرات البيئية والاجتماعية والنفسية التي دخلت في نسيج الشعر، فالإسلام قد حظر على الشعراء أشياء كانت سائدة قبله، فضلًا عن العوامل الحضارية في العصور اللاحقة، ودخول المولد، والاختلاط بالأمم، وصولًا إلى عصرنا الذي انطلقت فيه الدعوات المختلفة إلى الشعر المهموس، والمكتوب، وما رافق ذلك من ظهور المطابع وانتشارها، وظهور المذاهب الأدبية المتعددة، وخاصة الرمزية التي ضاقت ذرعًا بالصوت الجهير ووقوفها عند حدود الصور المرئية [2] ، وتصاعد الدعوات المختلفة إلى إلغاء نظام الشطرين والقافية وتعدى ذلك إلى إلغاء التفعيلة والوزن كليًا، وظهور قصيدة النثر [3] ، إلى جانب الشعر الحر والمرسل والمطلق والحديث، ومن هنا لا ننكر أن البصر قد أخذ حيّزًا من السمع بيد أنه بقي محتفظًا بقيمته، ولم ينحسر شعر الشطرين، فهو ينشد في كل مكان، علمًا أن أنماط الشعر الأخرى تقرأ بصوت مسموع، وقد التجأ الشعراء إلى التعويض عن الإيقاعات الخارجية بالداخلية.
وفي العصر الحديث يتوضح لنا أن الكتابة تدخل ضمن الأنظمة الإشارية، وإن كانت السمعية إشارية أيضًا، غير أن الكتابة التي تعتمد حاسة البصر مكانية، بأشكالها المختلفة وزخرفها الهندسي، وهكذا تفرض الكتابة على اللغة طابعًا خطيًا مستقيمًا، وسمة تتابعية، ووجودًا ماديًا.. لا يملكه الكلام" [4] ."
(1) ينظر الشعر والشعراء: لابن قتيبة: 1/88.
(2) ينظر النقد الأدبي الحديث: 418.
(3) ينظر قصيدة النثر حقيقتها، أبعادها، مذاهبها (بحث)
(4) البنيوية وعلم الإشارة: 125.