فهرس الكتاب
وكان الشاعر يقف فينشد قصيدته، ويتلقاها عنه الناس ويروونها [1] وقيل عن العرب:"وأما العرب فلم يكن في أمة من أمم الأرض شأن للإنشاد ارفع منه عندهم" [2] .
ولا بد أن يستدعي الإنشاد طريقة خاصة، سواء أكاد ذلك يتعلق بالمنشد وطريقته وأسلوبه، أم في الشعر للتأثير بالسامعين، وبخاصة إذا ما عرفنا أن الظروف آنذاك مواتية للإنشاد، إذ لا توجد وسيلة غيرها.
وكثيرًا ما ينشد القصيدة صاحبها، ويستحسن ذلك منه، لأنه أعرف من غيره بخلجات نفسه، ونبضات قلبه، وأدرى بما يعانيه، ويعلم بالمواطن التي يريد تأكيدها من إثارة حماسة، أو تعبير عن انفعال معين، أو إيراد حكمة أو الإفصاح عن لطيف معنى، أو تبيان موقف عاطفي وإنساني، إلى غير ذلك من موضوعات مختلفة، فضلًا عن الفهم العميق لتجربته التي تشربت بعواطفه المتقدة، وأحاسيسه الحية، وانفعالاته المحتدمة، ومشاعره المتأججة، فهو أقدر من غيره على إبراز ذلك كله عبر سلسلة من القواعد معروفة من جهر، وهمس، وتعجب، واستفهام، ونداء، وغيرها من قواعد تخص النسيج الشعري.
فالإنشاد، والسماع"أَبٌ للملكات اللسانية" [3] ، حتى كان يوصف الإنشاد لجودته بالغناء، وتغريد الطيور، وقد قيل:"إنَّ الغناء ميزان الشعر" [4] .
وقد عبّروا عن أهمية الإنشاد، وارتباط الشعر بالغناء"كانت العرب تغني"النَّصْب"، وتمد أصواتها بالنشيد، وتزن الشعر بالغناء، ولهذا قال حسان:"
تغنّ في كلّ شعر أنت قائله ... إنّ الغناء لهذا الشعر مضمارُ [5]
والشعر توأم الغناء، ومن لوازمه حسن الإنشاد والذي يحلو بحلاوة الصوت اللين المطرب [6] .
(1) العصر الجاهلي: ضيف: 114.
(2) الياذة هوميروس: المقدمة: 38.
(3) مقدمة ابن خلدون: 454.
(4) الموشح: 39-40، ينظر العمدة: 2/313.
(5) الموشح: 39-40، ينظر العمدة: 2/313.
(6) الشعراء وإنشاد الشعر: 93.