فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 337

ومن الشعراء من ينشد الشعر قاعدا، ومنهم من ينشده واقفًا، قال أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي: أنشد أبو السائب المخزومي قول الخنساء:

وإنَّ صخرًا لمولانا وسيّدُنا ... وأن صخرًا إذا نشتو لنَحّارُ

وإنَ صخرًا لتأتمُ الهداةُ بهِ ... كأنه عَلم في رأسِهِ نارُ

فقال: الطلاق لي لازم، إنْ لم تكن قالت هذا وهي تتبختر في مشيها، وتنظر في عطفها [1] ، أي أنه تخيل ذلك، علمًا أننا لا نملك شواهد عن الطرائق التي كانوا ينشدون فيها أشعارهم.

وما ذكر من تبختر الخنساء في مشيتها، والنظر في عطفها إلا لتتجانس الحركة مع الصوت في أثناء الإنشاد.

وكان كعب بن زهير إذا أنشد شعرًا قال لنفسه أحسنت وجاوزت والله الإحسان فيقال له: أتحلف على شعرك فيقول نعم لأني أبصرُ بهِ منكم [2] .

كما أن من طقوس إنشاد الشعر، اللباس، والعناية به [3] .

وللإنشاد أهمية جمالية، فإنه يرفع من قدر الشعر، أو يحط منه تبعًا لحسن الإنشاد أو سوئه.

والإنشاد يتطلب المجالس والأماكن العامة، حيث الأسماع، وقد قيل:"إن لا شيء. أسبق إلى الأسماع، وأوقع في القلوب، وأبقى على الليالي والأيام من مثلٍ سائر، وشعرٍ نادر" [4] .

ولكثرة الاهتمام بتلك المجالس على المنشد أن يعرف"إنه ليس شي"يقوم مقامه في المجالس الحافلة، والمشاهد الجامعة، إذا قام به منشد على رؤوس الاشهاد.

ولا يهتز ملك، ولا رئيس لشيء من الكلام كما يهتز له، ويرتاح لاستماعه، وهذه فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شيء من الكلام.. إن مجالس الظرفاء والأدباء لا تطيب ولا تؤنس إلاّ بإنشاد الأشعار ..." [5] ."

(1) زهر الآداب: 2/927، ديوان الخنساء: 79-80 مع وجود تغيير في صدر البيت الثاني ( اغر ابلج تأتم الهداة به) .

(2) المستطرف: 1/130.

(3) البيان والتبيين: 3/115 وينظر العمدة: 1/131.

(4) كتاب الصناعتين: 143-144.

(5) كتاب الصناعتين: 143-144

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت