فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 337

يختلف الشعر من شاعر لآخر، بما تتيحه خصائصه وقدرته الإبداعية، وحالته النفسية، وطبيعة توجهه في الحياة، وما يختاره من مواقف بإرادته الواعية، كما أن للموضوع صلة بما يختاره من ألفاظ في أوزان معينة، فهي في حقيقتها أصوات ذات إيقاع معين يتساوق مع انفعالات الشاعر، يجسدها شعرًا يخترق الأسماع لتعيها القلوب، مكونه صورًا سمعية، تتفاوت في شدتها ورخاوتها، ولكنها في تواصلها تكوّن ذبذبات متصلة تلتقطها الأذن، ليحدث بعد ذلك الأثر المطلوب تجاوبًا، أو نفرة، رقة وعذوبة، أو لمًا، أو حماسة وتوثبًا، تبعًا للإيقاع وتفاوته، قوة وشدة، أو رخاوة، لكونه يعبّر عن درجة الانفعال الداخلي لدى الشاعر، إذ من خلاله نجده ينتقل إلى قلب المتلقي عن طريق السماع، أو ينفر منه، وللشعر العربي إيقاع كلاسيكي تام وهو محكم الوزن دقيق التحديد والتعيين، وهذه حقيقة لا تحتمل الشك بيد أن المنشدين لا ييسرون لنا -في الغالب- طرق سماع ذلك الإيقاع وتذوقه" [1] ."

والموضوعات المختلفة التي يتناولها الشاعر لا بد أن يكون إنشادها متساوقًا معها، معبّرًا عنها، فضلًا عن البحور التي تضمها، واللغة التي تنسجم معها، إذ لكل حالة لبوسها ليحسن التعبير عنها، فإن نسب ذل وخضع، وإن مدح أطرى وأسمع، وإن هجا أخلّ وأوجع، وإنْ فخر خبّ ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف حنّ ورجع ... [2] .

وإذا ما تتبعنا إنشاد الرثاء فإننا سنجد قصائده أجود الأشعار"وقد قيل لا عرابي ما بال المراثي أجودَ أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق" [3] .

(1) فن إنشاد الشعر العربي: 15.

(2) العمدة: 1/199.

(3) البيان والتبيين: 2/330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت